منتدى جماعة أنصار السنة ببورسعيد
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.


منتدى إسلامي على مذهب أهل السنة والجماعة
 
الرئيسيةصفحه1أحدث الصورالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
Flag Counter
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
» مطوية (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ)
 شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Emptyالثلاثاء أبريل 27, 2021 4:52 pm من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)
 شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Emptyالخميس يونيو 25, 2020 9:17 am من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (ذَلِكَ رَبُّ العالمين)
 شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Emptyالثلاثاء يونيو 23, 2020 12:47 pm من طرف عزمي ابراهيم عزيز

» مطوية (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ)
 شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Emptyالثلاثاء يونيو 23, 2020 8:24 am من طرف عزمي ابراهيم عزيز

»  كتاب . * غاية المريد في علم التجويد * المؤلف / عطية قابل نصر .
 شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Emptyالأحد مايو 07, 2017 10:16 pm من طرف إبراهيم باشا

» ** كن متفائلًا **
 شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Emptyالسبت مايو 06, 2017 9:06 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ما تعريف التوحيد ؟ وما أنواعه ؟ * لفضيلة الشيخ / ابن عثيمين .
 شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Emptyالثلاثاء مايو 02, 2017 9:47 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ماذا تفعل المرأة إذا طهرت بعد الفجر مباشرة ، هل تمسك وتصوم هذا اليوم ؟ * لفضيلة الشيخ / ابن عثيمين .
 شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Emptyالأحد أبريل 23, 2017 10:28 pm من طرف إبراهيم باشا

» نحو خطوات فاعلة للداعية المسلمة .
 شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Emptyالسبت أبريل 22, 2017 9:58 pm من طرف إبراهيم باشا


 

  شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر ( جـزء 3 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
إبراهيم باشا
Admin
إبراهيم باشا


عدد المساهمات : 703
تاريخ التسجيل : 23/02/2013
الموقع : http://www.ansarsonna.com

 شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Empty
مُساهمةموضوع: شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر ( جـزء 3 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين    شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 3 )  شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين Emptyالإثنين يناير 12, 2015 8:29 pm





شرح أحاديث رياض الصالحين
باب الصَّـبْــر ( جـزء 3 )

شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين




تصحيح لُغَوي و تنسيق مقالٍ / إبراهيم باشا


31- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: ((اتقي الله واصبري)) فقالت :إليك عنِّي، فإنك لم تُصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى))
أخرجه البخاري، ومسلم .

وفي رواية لمسلم: (( تبكي على صبي لها)).

الشرح :
قال المؤلف - رحمه الله تعالى- فيما نقله عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بامرأة وهي عند قبر صبي لها قد مات، وكانت تُحِبه حبًا شديدًا، فلم تملك نفسها أن تخرج إلى قبره لتبكي عنده، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بتقوى الله والصبر.
قال لها: ((اتقي الله واصبري، فقالت له: إليك عني فإنك لم تُصب بمصيبتي))
إليك عنِّي أي: ابعد عنِّي فإنك لم تصب بمثل مصيبتي.
وهذا يدل على أن المصيبة قد بلغت منها مبلغًا عظيمًا،
فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم عنها.
ثم قيل لها: إن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فندمت وجاءت إلى رسول الله، إلى بابه، وليس على الباب بوَّابون أي: ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه.
فأخبرته وقالت: إنني لم أعرفك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)).

الصبر الذي يثاب عليه الإنسان هو أن يصبر عند الصدمة الأولى أول ما تصيبه المصيبة، هذا هو الصبر.
أما الصبر فيما بعد ذلك، فإن هذا قد يكون تسلِّيًا كما تتسلَّى البهائم.
فالصبر حقيقةً أن الإنسان إذا صدم أول ما يُصدم يصبر ويحتسب ، ويحسن أن يقول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهمَّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها)).

ففي هذا الحديث عدة فوائد:
أولاً: حسن خُلُق النبي عليه الصلاة والسلام ، ودعوته إلى الحق وإلى الخير،
فإنه لما رأى هذه المرأة تبكي عند القبر أمرها بتقوى الله والصبر.
ولما قالت: ((إليك عني)) لم ينتقم لنفسه، ولم يضربها ، ولم يُقمها بالقوة؛ لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها، ولهذا خرجت من بيتها لتبكي عند هذا القبر.
فإن قال قائل: أليست زيارة القبور حرامًا على النساء؟
قلنا : بلى هي حرام على النساء ، بل هي من كبائر الذنوب ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ((لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج))
أخرجه الترمذي، والنسائي، وأبو داود،
وهذا الحديث حسَّنه الترمذي ، وحسنه أيضًا لشواهده العلامة أحمد شاكر، وحسَّنه أيضًا لشواهده الشيخ الألباني إلا قوله: ((والسُّرج)) .

لكن هذه لم تخرج للزيارة ، وإنما خرجت لما في قلبها من لوعة فراق هذا الصبي والحزن الشديد، لم تملك نفسها أن تأتي ، ولهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يُقمها بالقوة، ولم يجبرها على أن ترجع إلى بيتها.

ومن فوائد هذا الحديث:
أن الإنسان يُعْذَر بالجهل، سواء أكان جهلاً بالحكم الشرعي أم جهلاً بالحال،
فإن هذه المرأة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : إليكَ عني، أي: ابعد عني، مع أنه يأمرها بالخير والتقوى والصبر، ولكنها لم تعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذا عَذَرَها النبي عليه الصلاة والسلام.

ومنها:
أنه لا ينبغي للإنسان المسؤول عن حوائج المسلمين أن يجعل على بيته بوَّابًا يمنعُ الناس إذا كان الناس يحتاجون إليه،
إلا إذا كان الإنسان يخشى من كثرة الناس وإرهاق الناس وإشغال الناس عن شيء يمكنهم أن يتداركوا شغلهم في وقت آخر، فهذا لا بأس به.
وما جُعِلَ الاستئذانُ إلا من أجل النظر، ومن أجل أن الإنسان يتصرَّف في بيته في إدخال من شاء ومنع من شاء.

ومن فوائده:
أن الصبر الذي يُحمَدُ فاعله هو الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولى .
يصبر الإنسان ويحتسب، ويعلم أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وأن كل شيء عنده بأجل مسمى.

ومن فوائد هذا الحديث:
أن البكاء عند القبر ينافي الصبر،
ولهذا قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم : ((اتقي الله واصبري)).
ويوجد من الناس من يُبتلى ، فإذا مات له ميِّت صار يتردد على قبره ويبكي عنده، وهذا ينافي الصبر،
بل نقول: إذا شئت أن تنفع الميت فادع الله وأنت في بيتك ، ولا حاجة أن تتردد على القبر؛ لأن التردد على القبر يجعل الإنسان يتخيَّلُ هذا الميت دائمًا في ذهنه ولا يغيب عنه، وحينئذ لا ينسى المصيبة أبدًا، مع أن الأفضل للإنسان أن يتلهَّى وأن ينسى المصيبة بقدر ما يستطيع .
والله الموفق.
* * *

32- وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضتُ صَفِيَّهُ من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة))
أخرجه البخاري .

الشرح :
هذا الحديث يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله، ويسمي العلماء- رحمهم الله- هذا القسم من الحديث : الحديث القدسي ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رواه عن الله.
قوله: ( صَفِيَّهُ) : الصَّفي: من يصطفيه الإنسان ويختاره ويرى أنه ذو صلة منه قوية، من ولد، أو أخ، أو عم، أو أب، أو أم ، أو صديق، إذا أخذه الله عز وجل ثم احتسبه الإنسان فليس له جزاء إلا الجنة.

ففي هذا دليل على فضيلة الصبر على قبض الصَّفي من الدنيا، وأن الله عز وجل يُجازي الإنسان إذا احتسب، يُجازيه الجنة.

وفيه: دليل على فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه على عباده، فإن الملْكَ ملكه، والأمر أمره، وأنت وصفيُّك كلاكما لله عز وجل،
ومع ذلك فإذا قبض الله صفي الإنسان واحتسب ، فإن له هذا الجزاء العظيم.

وفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد:
الإشارة إلى أفعال الله، من قوله: ((إذا قبضت صفيه))
ولا شك أن الله سبحانه وتعالى فعَّال لما يريد ،
ولكن يجب علينا أن نعلم أن فعل الله تعالى كله خير، لا يُنسب الشر إلى الله أبدًا،
والشر إذا وقع فإنما يقع في المفعولات ولا يقع في الفعل.
فمثلاً إذا قدَّرَ الله على الإنسان ما يكره، فلا شك أن ما يكرهه الإنسان بالنسبة إليه شر، لكن الشر في هذا المقدر، لا في تقدير الله؛ لأن الله تعالى لا يُقَدِّرهُ إلا لحكمة عظيمة، إما للمقدَّر عليه وإما لعامة الخلق.

أحيانًا تكون الحكمة خاصة في المقدَّر عليه، وأحيانًا في الخلق على سبيل العموم.

المقدرُ عليه إذا قدَّر الله عليه شرًا وصبر واحتسب نال بذلك خيرًا، وإذا قدر الله عليه شرًا ورجع إلى ربه بسبب هذا الأمر؛ لأن الإنسان إذا كان في نعمة دائمًا قد ينسى شكرَ المُنعِمِ عز وجل ولا يلتفت إلى الله، فإذا أصيب بالضراء تذكَّر ورجع إلى ربه سبحانه وتعالى، ويكون في ذلك فائدة عظيمة.
أما بالنسبة للآخرين ، فإن هذا المقدَّر على الشخص إذا ضرَّه قد ينتفع به الآخرون.

ولنضرب لذلك مثلاً برجل عنده بيت من الطين، أرسل الله مطرًا غزيرًا دائمًا، فإن صاحب هذا البيت يتضرَّر، لكن المصلحة العامة للناس مصلحة ينتفعون بها، فصار هذا شرًا على شخص وخيرًا للآخرين، ومع ذلك فكونه شرًّا لهذا الشخص أمر نسبي، إذًا إنه شر من وجه لكنه خير له من وجه آخر، فيتَّعظُ به ويعلم أن الملجأ هو الله عز وجل، لا ملجأ إلا إليه، فيستفيد من هذا فائدة أكبر مما حَصَلَ له من المضرة.

المهم أن هذا الحديث ذكره المؤلف رحمه الله في باب الصبر؛ لأن فيه فائدة عظيمة فيما إذا صبرَ الإنسان على قبض صفيِّه، أنه ليس له جزاء إلا الجنة.
والله الموفق.
* * *

33- وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أنه كان عذابًا يبعثه الله تعالى على من يشاء، فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين ، فليس من عبد يقع في الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد))
أخرجه البخاري .

الشرح :
نقل المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة - رضي الله عنها- أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أن الطاعون عذاب أرسله الله سبحانه وتعالى على من يشاء من عباده.
والطَّاعون : قيل : إنه وباء مُعيَّن.
وقيل: إنه كلُّ وباءٍ عام يحل بالأرض فيصيب أهلها ويموت الناس منه.
وسواء كان معينًا أم كلَّ وباءٍ عام مثل الكوليرا وغيرها، فإن هذه الطاعون عذاب أرسله الله عز وجل، ولكنه رحمة للمؤمن إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابرًا محتسبًا ، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، فإن الله تعالى يكتب له مثل أجر الشهيد،
ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه))
أخرجه البخاري .

إذا وقع الطاعون بأرض فإننا لا نقدم عليها؛ لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلى التهلكة، ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فرارًا منه؛ لأنك مهما فررت من قدر الله إذا نزل بالأرض فإن هذا الفرار لن يُغني عنك من الله شيئًا،
واذكر القصة التي قصها الله علينا في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حَذَر الموت،
قال بعض العلماء في تفسير الآية: إنه نزل في الأرض وباء فخرجوا منها، فقال الله لهم مُوتوا ثم أحياهم ، ليُبيِّن لهم أنه لا مفر من قضاء الله إلا إلى الله.

ففي حديث عائشة- رضي الله عنها- دليل على فضل الصبر والاحتساب ، وأن الإنسان إذا صبَّرَ نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ثم مات به، كتب الله له مثل أجر الشهيد،
وذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان، سوف يهرب، يخاف من الطاعون، فإذا صبر وبقي واحتسب الأجر وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ثم مات به، فإنه يُكتب له مثل أجر الشهيد، وهذا من نعمة الله عز وجل.
* * *

34- وعن أنس- رضي الله عنه- قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل قال: إذا ابتليتُ عبدي بحَبِيبتَيْهِ فصبر، عوَّضتُه منهما الجنة))
يريد: عينيه
أخرجه البخاري .

في هذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: ((إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه)) يعني عَيْنيه فيعمى، ثم يصبر، إلا عوضه الله بهما الجنة؛
لأن العين محبوبة للإنسان ، فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالى وصبر الإنسان واحتسب، فإن الله يعوضه بهما الجنة، والجنة تساوي كل الدنيا،
بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها))
أخرجه البخاري .

أي: مقدار متر في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛
لأن ما في الآخرة باقٍ لا يفنى ولا يزول، والدنيا كلها فانية زائلة،

فلهذا كانت هذه المساحة القليلة من الجنة خيرًا من الدنيا وما فيها.

واعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا قبض من الإنسان حاسةً من حواسه، فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس الأخرى ما يخفف عليه ألمَ فَقْدِ هذه الحاسة التي فقدها،

فالأعمى يَمُنُّ الله عليه بقوة الإحساس والإدراك، حتى إن بعض الناس إذا كان أعمى تجده في السوق يمشي وكأنه مبصر يَحِسُّ بالمنعطفات في الأسواق، ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات، حتى أن بعضهم يتفق مع صاحب السيارة- سيارة الأجرة- يركب معه من أقصى البلد إلى بيته وهو يقول لصاحب السيارة: خذْ ذات اليمين، وهكذا حتى يُوقفه عند بابه، وصاحب السيارة لا يعرف البيت، لكن هذا يعرف البيت وهو راكب،

سبحان الله! فالله عز وجل إذا اقتضت حكمته أن يُفْقِدَ أحدًا من عباده حاسة من الحواس، فالغالب أن الله تعالى يخلف عليه حاسة قوية وإدراكًا قويًا يعوِّض بعض ما فاته مما أخذه الله منه.
والله الموفق.
* * *

35- وعن عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس- رضي الله عنهما- ألا أُريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت بلى، قال: هذه المرأة السوداء ، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُصرع، وإني أتكشَّف، فادع الله تعالى لي قال: ((إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يُعافيكِ)) فقالت: أصبر . فقالت: إني اتكشف ، فادع الله أن لا أتكشف.فدعا لها .
أخرجه البخاري، ومسلم.

قوله: ((ألا أريك امرأة من أهل الجنة)) : يعرض عليه أن يريَهُ امرأة من أهل الجنة؛ وذلك لأن أهل الجنة ينقسمون إلى قسمين: قسم نشهد لهم بالجنة بأوصافهم، وقسم نشهد لهم بالجنة بأعيانهم.
1ـ أما الذين نشهد لهم بالجنة بأوصافهم فكل مؤمن ، كل متَّق، فإننا نشهد بأنه من
أهل الجنة،
كما قال الله سبحانه وتعالى في الجنة ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]،
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة:7،8] ،
فكل مؤمن متقٍ يعمل الصالحات فإننا نشهد بأنه من أهل الجنة. ولكن لا نقول هو فلان وفلان، لأننا لا ندري ما يُختمُ له، ولا ندري هل باطنه كظاهره، فلذلك لا نشهد له بعَيْنه،
فإذا مات رجل مشهود له بالخير قلنا: نرجو أن يكون من أهل الجنة، لكن لا نشهد أنه من أهل الجنة.
2ـ قسم آخر نشهد له بعينه، وهم الذين شَهِدَ لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم في
الجنة، مثل العشرة المبشرين بالجنة، وهم: أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبوعبيدة عامر بن الجراح، والزبير بن العوام، رضي الله عنهم.
ومثل: ثابت بن قيس بن شماس، ومثل: سعد بن معاذ، ومثل: عبد الله بن سلام، ومثل: بلال بن رباح، وغيرهم، رضي الله عنهم، ممَّن عينهم الرسول عليه الصلاة والسلام،
فهؤلاء نشهد لهم بأعيانهم، نقول: نشهد بأن أبا بكر في الجنة، ونشهد بأن عمر في الجنة، ونشهد بأن عثمان في الجنة، نشهد بأن عليًا في الجنة، وهكذا.

ومن ذلك هذه المرأة التي قال ابن عباس لتلميذه عطاء بن أبي رباح: ((ألا أُريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى! قال: هذه المرأة السوداء)).
امرأة سوداء لا يؤبه لها في المجتمع، كانت تُصرع وتنكشف، فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام وسألته أن يدعو الله لها، فقال لها ((إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، قالت : أصْبر))،
وإن كانت تتألم وتتأذى من الصرع، لكنها صبرت من أجل أن تكون من أهل الجنة، ولكنها قالت: يا رسول الله إني أتكشَّف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا الله أن لا تتكشف، فصارت تُصرع ولا تتكشف.

والصرع- نعوذ بالله منه- نوعان:
1ـ صرع بسبب تشنُّج الأعصاب:
وهذا مرض عضوي يمكن أن يعالج من قبل
الأطباء الماديين ، بإعطاء العقاقير التي تُسكِّنه أو تزيله تمامًا .
2ـ وقسم آخر بسبب الشياطين والجن،
يتسلط الجني على الإنسي فيصرعه ويدخل
فيه، ويضرب به على الأرض ، ويغمى عليه من شدة الصرع، ولا يحس، ويتلبَّس الشيطان أو الجني بنفس الإنسان ويبدأ يتكلم على لسانه، الذي يسمع الكلام يقول إن الذي يتكلم الإنسي، ولكنه الجني، ولهذا تجد في بعض كلامه الاختلاف، لا يكون ككلامه وهو مستيقظ ؛ لأنه يتغير بسبب نطق الجني.
هذا النوع من الصرع- نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه ومن غيره من الآفات -
هذا النوع علاجه بالقراءة من أهل العلم والخير ، يقرأون على هذا المصروع.
فأحيانًا يخاطبهم الجني ويتكلم معهم، ويُبَيِّنُ السبب الذي جعله يصرع هذا الإنسي، وأحيانًا لا يتكلم.

وقد ثبت صرع الجنى للإنسي بالقرآن، والسنة ، والواقع.
ففي القرآن قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]،
وهذا دليل على أن الشيطان يتخبط الإنسان من المس وهو الصرع.
وفي السنة : روى الإمام أحمد في مسنده ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر من أسفاره، فمرَّ بامرأة معها صبي يُصرع، فأتت به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وخاطب الجني وتكلم معه وخرج الجني، فأعطت أم الصبي الرسول صلى الله عليه وسلم هدية على ذلك))
أخرجه الإمام أحمد ، وصحَّح الألباني إسناده .

وكذلك أيضًا كان أهل العلم يخاطبون الجني في المصروع ويتكلمون معه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله، ذكر ابن القيم - وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية - في كتاب (زاد المعاد) أنه جئ إلى شيخ الإسلام برجل مصروع، فجعل يقرأ عليه ويُخاطبه ويقول لها : اتقي الله أخرجي- لأنها امرأة- فتقول له: أريد هذا الرجل وأحبُّه، فقال لها شيخ الإسلام: لكنه لا يحبك اخرجي، قالت إني أريد أن أحج به. قال هو لا يريد أن تحجي به اخرجي. فأبت ، فجعل يقرأ عليها ويضرب الرجل ضربًا عظيمًا، حتى إن يد شيخ الإسلام أوجعته من شدة الضرب.
فقالت الجنية: أنا أخرج كرامة للشيخ، قال: لا تخرجي كرامة لي، اخرجي طاعة لله ورسوله. فما زال بها حتى خرجت، ولما خرجت استيقظ الرجل فقال: ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا: سبحان الله ‍! أما أحسست بالضرب الذي كان يضربك أشد ما يكون؟ قال ما أحسست بالضرب ولا أحسست بشيء.
والأمثلة على هذا كثيرة.

هذا النوع من الصرع له علاج يدفعه ، وله علاج يرفعه.
فهو نوعان:
1ـ أما دفعه: فبأن يحرص الإنسان على الأوراد الشرعية الصباحية والمسائية،
وهي معروفة في كتب أهل العلم، منها: آية الكرسي، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
ومنها: سورة الإخلاص والفلق والناس،
ومنها: أحاديث وردت عن النبي عليه الصلاة
والسلام ،
فليحرص الإنسان عليها صباحًا ومساءً ، فإن ذلك من أسباب دفع أذيَّةِ الجن.
وأما الرفع: فهو إذا وقع بالإنسان فإنه يقرأ عليه آيات من القرآن فيها تخويف وتحذير
وتذكير واستعاذة بالله عز وجل حتى يخرج.

الشاهد من هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم لهذه المرأة: (( إن شئت
صبرت ولك الجنة، فقالت: أصبر))

ففي هذا دليل على فضيلة الصبر، وأنه سبب لدخول الجنة.
والله الموفق.
* * *

36- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء ، صلوات الله وسلامه عليهم، ضَرَبَهُ قومُهُ فأدموه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))
أخرجه البخاري، ومسلم .

الشرح :
هذا الحديث يحكي النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيئًا مما جرى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء كلَّفهم الله تعالى بالرسالة؛ لأنهم أهل لها، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام:124]،
فهم أهل لها في التحمُّل والتبليغ والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك،

وكان الرسل - عليهم الصلاة والسلام- يُؤذَوْنَ بالقول وبالفعل، وربما بلغ الأمر إلى قتلهم ،
وقد بيَّن الله ذلك في كتابه حيث قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ﴾
أي: إن استطعت ذلك فافعل ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ، ولكن لحكمة اقتضت أن يكذبوك ، حتى يتَبيّن الحق من الباطل بعد المصارعة والمجادلة ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:35] .
حكى نبينا صلى الله عليه وسلم عن نبي من الأنبياء أن قومه ضربوه، ولم يضربوه إلا حيث كذبوه حتى أدموا وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون،

وهذا غايةُ ما يكون من الصبر؛ لأن الإنسان لو ضُرب على شيء من الدنيا لاستشاط غضبًا، وانتقم ممن ضربه، وهذا يدعو إلى الله، ولا يتخذ على دعوته أجرًا ، مع هذا يضربونه حتى يدموا وجهه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)).
وهذا الذي حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحدثنا به عبثًا أو لأجل أن يقطع الوقت علينا بالحديث، وإنما حدثنا بذلك من أجل أن نتخذ منه عبرة نسير عليها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:111]،

والعبرة من هذا أن نصبر على ما نؤذى به من قول أو فعل في سبيل الدعوة إلى الله، وأن نقول مُتَمَثِّلين:
هـل أنـتِ إلا إصبـعٌ دَميـتِ وفـي سبيـل الله مـا لَقِيـتِ
قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقد دميت أصبعه في بعض المشاهد،
أخرجه البخاري ، ومسلم .

وأن نصبر على ما يصيبنا مما نسمعه أو ينقل إلينا مما يقال فينا بسبب الدعوة إلى الله، وأن نرى أن هذا رفعةٌ لدرجاتنا وتكفير لسيئاتنا ، فعسى أن يكون في دعوتنا خلل من نقص في الإخلاص أو من كيفية الدعوة وطريقها ، فيكون هذا الأذى الذي نسمع، يكون كفارة لما وقع منا؛
لأن الإنسان مهما عمل فهو ناقص لا يمكن أن يكمل عمله أبدًا، إلا أن يشاء الله، فإذا أصيب وأوذي في سبيل الدعوة إلى الله، فإن هذا من باب تكميل دعوته ورفعة درجته، فليصبر وليحتسب ولا ينكص على عقبيه ، لا يقول لستُ بمُلزَم، أنا أصابني الأذى، أنا أوذيت ،أنا تعبت،
بل الواجب الصبر، والدنيا ليست طويلة! أيام ثم تزول، فاصبر حتى يأتي الله بأمره.

وفي قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحكي لنا)) فيه دليل على أن المحدث أو المخبر يخبر بما يؤيِّد ضبطه للخبر والحديث.

وهذا أمر شائع عند الناس، يقول: كأني أنظر إلى فلان وهو يقول لنا كذا وكذا، أي: كأني أنظر إليه الآن، وكأني أسمع كلامه الآن،
فإذا استعمل الإنسان مثل هذا الأسلوب لتثبيت ما يحدِّث به فلَهُ في ذلك أسوةٌ من السلف الصالح رضي الله عنهم.
والله الموفق.
* * *

37- وعن أبي سعيد وأبي هريرة- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما يُصيب المسلم من نَصَب ولا وَصَب ، ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أذى ولا غَمٍ، حتى الشوكة يُشاكُها ، إلا كَفَّرَ الله بها من خطاياه))
أخرجه البخاري، ومسلم .

((والوَصَبُ)): المرض .

38- وعن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: دخلتُ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعَكُ ، فقلت: يا رسول الله ، إنك توعك وعكا شديدًا قال: (( أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)) قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: (( أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى ؛ شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته، وحُطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها))
أخرجه البخاري، ومسلم .

و(( الوعك)) مَغْثُ الحمى، وقيل: الحمى.

الشرح :
هذان الحديثان : حديث أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود - رضي الله عنهم- فيهما دليل على أن الإنسان يكفَّر عنه بما يصيبه من الهم والنصب والغم وغير ذلك،
وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى، يبتلي سبحانه وتعالى عبده بالمصائب وتكون تكفيرًا لسيئاته وحطًا لذنوبه.

والإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يبقى مسرورًا دائمًا، بل هو يومًا يُسر ويومًا يُحزن، ويومًا يأتيه شيء ويومًا لا يأتيه ، فهو مصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه، ومصائب في مجتمعه ومصائب في أهله، ولا تحصى المصائب التي تصيب الإنسان،
ولكن المؤمن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له.

فإذا أُصبت بالمصيبة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيك أو هذا الألم الذي يأتيك ولو كان شوكة، لا تظن أنه يذهب سُدى، بل ستعوَّض عنه خيرًا منه، ستُحط عنك الذنوب كما تحط الشجرة ورقها، وهذا من نعمة الله.

وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر والاحتساب، يعني: احتساب الأجر، كان له مع هذا أجر.

فالمصائب تكون على وجهين:
1- تارة إذا أُصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله، فيكون فيها
فائدتان: تكفير الذنوب؛ وزيادة الحسنات.

2- وتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره، ويصيبه ضجر أو ما أشبه ذلك، ويغفل عن نية احتساب الأجر والثواب على الله، فيكون في ذلك تكفير لسيئاته،
إذًا هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه،
فإما أن يربح تكفير السيئات وحط الذنوب بدون أن يحصل له أجر؛ لأنه لم ينوِ شيئًا ولم يصبر ولم يحتسب الأجر، وإما أن يربح شيئين: تكفير السيئات، وحصول الثواب من الله عز وجل كما تقدم.

ولهذا ينبغي للإنسان إذا أصيب ولو بشوكة، فليتذكر احتساب الأجر من الله على هذه المصيبة، حتى يؤجر عليها، مع تكفيرها للذنوب،

وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى وجوده وكرمه، حيث يبتلي المؤمن ثم يُثيبه على هذه البلوى أو يكفر عنه سيئاته .
فالحمد لله رب العالمين.
* * *

39- وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من يُرد الله به خيرًا يُصب منه))
أخرجه البخاري .

الشرح :
قوله: ((يُصب)) قُرئت بوجهين : بفتح الصاد( يصَب) وكسرها ( يصِب) وكلاهما صحيح.

أما ((يصِب منه)) فالمعنى أن الله يُقدِّر عليه المصائب حتى يبتليه بها، أيصبر أم يضجر.

وأما (( يصَب منه)) فهي أعم، أي: يصاب من الله ومن غيره.

ولكن هذا الحديث المطلق مقيد بالأحاديث الأخرى التي تدل على أن المراد: من يرد الله به خيرًا فيصبر ويحتسب، فيصيب الله منه حتى يبلوه.
أما إذا لم يصبر فإنه قد يصاب الإنسان ببلايا كثيرة وليس فيه خير، ولم يرد الله به خيرًا.

فالكفار يصابون بمصائب كثيرة، ومع هذا يبقون على كفرهم حتى يموتوا عليه، وهؤلاء بلا شك لم يرد بهم خيرًا.

لكن المراد: من يرد الله به خيرًا فيصيب منه فيصبر على هذه المصائب، فإن ذلك من الخير له؛ لأنه سبق أن المصائب يكفر الله بها الذنوب ويحط بها الخطايا،
ومن المعلوم أن تكفير الذنوب والسيئات وحط الخطايا لا شك أنه خير للإنسان؛ لأن المصائب غاية ما فيها أنها مصائب دنيوية تزول بالأيام ، كلما مضت الأيام خفَّت عليك المصيبة، لكن عذاب الآخرة باقٍ- والعياذ بالله- فإذا كفر الله عنك بهذه المصائب صار ذلك خيرًا لك.
* * *

40- وعن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يتمنَّينَّ أحدكم الموت لضُرٍّ أصابه، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي))
أخرجه البخاري، ومسلم .

في هذا الحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان أن يتمنى الموت لضرٍّ نزل به،
وذلك أن الإنسان ربما ينزل به ضر يعجز عن التحمل ويتعب، فيتمنى الموت، يقول: يا رب أمتني، سواء قال ذلك بلسانه أو بقبله، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به))، فقد يكون هذا خيرًا له.

ولكن إذا أصبت بضر فقل: اللهم أعنِّي على الصبر عليه، حتى يُعينُكَ الله فتصبر، ويكون ذلك لك خيرًا.
أما أن تتمنى الموت فأنت لا تدري، ربما يكون الموت شرًا عليك لا يحصل به راحة،
ليس كل موت راحة، كما قال الشاعر:
ليس من مات فاستراحَ بميت إنـما الميـت ميِّـت الأحيـاءِ

الإنسان ربما يموت فيموت إلى عقوبة- والعياذ بالله- وإلى عذاب قبر، وإذا بقي قي الدنيا فربما يستعتب ويتوب ويرجع إلى الله فيكون خيرًا له،

فإذا نزل بك ضرٌ فلا تتمنَّ الموت، وإذا كان الرسول - عليه الصلاة والسلام- نهى أن يتمنى الإنسان للضر الذي نزل به،

فكيف بمن يقتل نفسه إذا نزل به الضر؟ كما يوجد من بعض الحمقى الذين إذا نزلت بهم المضائق خنقوا أنفسهم أو نحروها أو أكلوا سُمًّا أو ما أشبه ذلك، فإن هؤلاء ارتحلوا من عذاب إلى أشد منه، فلم يستريحوا ، لكن- والعياذ بالله- انتقلوا من عذاب إلى أشد؛ لأن الذي يقتل نفسه يعذب بما قتل به نفسه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا،
كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ،

إن قتل نفسه بحديدة- خنجر أو سكين أو مسمار أو غير ذلك - فإنه يوم القيامة في جهنم يطعن نفسه بهذه الحديدة التي قتل بها نفسه،
وإن قتل نفسه بسُمٍّ فإنه يتحسَّاه في نار جهنم،
وإن قتل نفسه بالتردي من جبل فإنه يُنصب له جبل في جهنم يتردى من أبد الآبدين وهلمَّ جرًا!

فأقول : إذا كان النبي- عليه الصلاة والسلام- نهى أن يتمنى الإنسان الموت للضر الذي نزل به، فإن أعظم من ذلك أن يقتل الإنسان نفسه ويبادر الله بنفسه،
نسأل الله العافية.

ولكن الرسول- عليه الصلاة والسلام- لما نهى عن شيء ، كان من عادته إذا كان له بديل من المباح أن يذكر بديله من المباح، كما هي طريقة القرآن، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة:104] ،
فلما نهى الله عن كلمة ((راعِنا)) بيَّن لنا الكلمة المباحة، قال: (وَقُولُوا انْظُرْنَا ) .

ولما جيء للنبي- عليه الصلاة والسلام- بتمرٍ جيِّدِ استنكرَهُ وقال: ما هذا؟ ((أكل تمر خيبر هكذا؟)) قالوا: لا، والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تفعل، لكن بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا))
أخرجه البخاري، ومسلم .

يعني تمرًا طيبًا.

فلما منعه بيَّن له الوجه المباح.

هنا قال: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي)).

فتح لك الباب لكنه باب سليم؛ لأن تمني الموت يدل على ضجر الإنسان وعدم صبره على قضاء الله، لكن هذا الدعاء((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي))

هذا الدعاء وَكَّل الإنسان فيه أمره إلى الله؛ لأن الإنسان لا يعلم الغيب، فيَكِلُ الأمر إلى عالمه عز وجل ((أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي)).

تمني الموت استعجال من الإنسان بأن يقطع الله حياته، وربما يحرمه من خير كثير، ربما يحرمه من التوبة وزيادة الأعمال الصالحة،
ولهذا جاء في الحديث: ((ما من ميت يموت إلا ندم، فإن كان محسنًا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون استعتب))
أخرجه الترمذي ، والبغوي في شرح السنة ، قال الأرناؤوط: فيه يحيي بن عبيد الله وهو ابن عبد الله بن موهب المدني: متروك ، والحديث في ضعيف الجامع .

أي: استعتب من ذنبه وطلب العتبى، وهي: المعذرة.

فإن قال قائل: كيف يقول ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيرًا لي؟)).
نقول: نعم؛ لأن الله سبحانه يعلم ما سيكون، أما الإنسان فلا يعلم، كما قال الله ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله ﴾ [النمل: 65]
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ [لقمان: 34] ،

فأنت لا تدري قد تكون الحياة خيرًا لك، وقد تكون الوفاة خيرًا لك،

ولهذا ينبغي للإنسان إذا دعا لشخص بطول العمر أن يقيد هذا فيقول: أطال الله بقاءك على طاعته، حتى يكون في طول بقائه خير.

فإن قال قائل: إنه قد جاء تمني الموت من مريم ابنة عمران حيث قالت: ﴿ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾[مريم: 23] ،
فكيف وقعت فيما فيه النهي؟

فالجواب عن ذلك أن نقول:
أولاً: يجب أن نعلم أن شرع من قبلنا إذا ورد شرعنا بخلافه فليس بحُجَّة؛ لأن شرعنا نسخ كل ما سبقه من الأديان.

ثانيًا: أن مريم لم تتمنَّ الموت، لكنها تمنت الموت قبل هذه الفتنة ولو بقيت ألف سنة، المهم أن تموت بلا فتنة،
ومثله قول يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]،

ليس معناه سؤال الله أن يتوفاه، بل هو يسأل أن يتوفاه الله على الإسلام، وهذا لا بأس به، كأن يقول: اللهم توفني على الإسلام وعلى الإيمان وعلى التوحيد والإخلاص، أو توفني وأنت راضٍ عنِّي وما أشبه ذلك.

فيجب معرفة الفرق بين شخص يتمنى الموت من ضيق نزل به، وبين شخص يتمنى الموت على صفة معيَّنة يرضاها الله عز وجل!.
فالأول: هو الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام.
والثاني: جائز
وإنما نهى النبي - عليه الصلاة والسلام- عن تمني الموت لضر نزل به؛ لأن من تمنى الموت لضر نزل به ليس عنده صبر،
الواجب أن يصبر الإنسان على الضر، وأن يحتسب الأجر من الله عز وجل، فإن الضرر الذي يصيبك من همٍّ أو غمٍّ أو مَرَضٍ أو أي شيء مكفر لسيئاتك ، فإن احتسبت الأجر كان رفعة لدرجاتك، وهذا الذي ينال الإنسان من الأذى والمرض وغيره لا يدوم ،
لابد أن ينتهي ، فإذا انتهى وأنت تكسب حسنات باحتساب الأجر على الله عز وجل ويكفر عنك من سيئاتك بسببه، صار خيرًا لك ،

كما ثبت عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال : (( عجبًا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ))

فالمؤمن على كل حال هو في خير ، في ضرَّاء أو في سرَّاء .

* * *





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ansarsonna.com
 
شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر ( جـزء 3 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
»  شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر ( جـزء 2 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين
» شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر  ( جـزء 4 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين
»  شرح أحاديث رياض الصالحين باب الصَّـبْــر ( جـزء 1 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين
»  شرح أحاديث رياض الصالحين باب التَّـــوبــة ( جـزء 4 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين
»  شرح أحاديث رياض الصالحين باب التَّـــوبــة ( جـزء 3 ) شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى جماعة أنصار السنة ببورسعيد :: العلوم الشرعية :: منتدى الأحاديث النبوية-
انتقل الى: