310454

ملخص المادة العلمية

تعريف الدعاء وأمر الله تعالى به.فائدة الدعاء في أنه ينفع مما نزل من البلاء ومما لم ينزل.آداب الدعاء.آفات الدعاء التي تمنع قبوله.
-------------------------

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)).

الدعاء هو الابتهال إلى الله تعالى بالسؤال رغبة فيما عنده من الخير.

ولقد أمر الله تعالى عباده أن يدعوه ويتضرعوا إليه، ووعدهم أن يستجيب لهم ويحقق لهم سؤالهم.

قال تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم [غافر:60].

وقال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة:186].

وقال النبي : ((قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي)).

وقال : ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل)).

ولقد توعد الله الذين يستنكفون عن دعائه فقال تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [غافر:60].

وقال النبي : ((من لم يسأل الله يغضب عليه)).

ولقد أخذ بعضهم هذا المعنى ونظم منه أبياتا فقال:

لا تسأل بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب

الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب

فإن قال أحد: وما فائدة الدعاء؟ أليس كل شيء بقضاء ؟

فالجواب: أن النبي أخبرنا أن الدعاء ينفع مما نزل من البلاء ومما لم ينزل منه.

أما نفعه مما نزل: فإن الله تعالى قال: وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين [الأنبياء:83-84].

وقال تعالى: وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين [الأنبياء:89-90].

ولقد أنكر الله على أقوام ابتلاهم ليدعوه ويتضرعوا إليه فأنساهم الشيطان ذلك فحقت عليهم كلمة العذاب.

قال تعالى: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين [الأنعام:42-45].

فالواجب على الناس أن ينتبهوا لسنن الله فيهم، فقد يبتلون ليسمع الله دعاءهم وتضرعهم، فإن الله يحب أن يسأل ويدعى، فمن غفل عن ذكر الله في الشدة كان عن ذكره في الرخاء أغفل، وأولئك هم الخاسرون.

أما كون الدعاء ينفع مما لم ينزل فقد دل عليه قوله تعالى: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين [يونس:98].

ولذا قال النبي : ((لا يرد القضاء إلا الدعاء)).

وقوله : ((فعليكم عباد الله بالدعاء)) أي: الزموا الدعاء واجتهدوا فيه ألحوا وداوموا عليه، لأن به يحاز الثواب، ويحصل ما هو الصواب، وكفى بك شرفا أن تدعوه فيجيبك، ويختار لك ما هو الأصلح في العاجل والآجل.

وإنما خص عباد الله بالذكر زيادة في الحث، وإيماء إلى أن الدعاء هو العبادة، كما صح بذلك الحديث عنه .

فأكثروا رحمكم الله من الدعاء والسؤال، واسألوا الله من فضله [النساء:32].

و((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع)).

واعلموا أن للدعاء آدابا، منها:

1- اختيار الأوقات الشريفة: كشهر رمضان، ويوم عرفة، ويوم الجمعة، فـ ((إن في يوم الجمعة لساعة، لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه )). وكوقت السحر، فـ ((إن الله تعالى ينزل كل ليلة في الثلث الأخير من الليل إلى سماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)). وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين بالأسحار. وقيل إن يعقوب عليه السلام لما قال لأبنائه سوف استغفر لكم ربي إنما أخّر الاستغفار لوقت السحر.

2- أن يغتنم الأحوال الشريفة: كحال انتظار الصلاة، فإن ((الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد)). وكحال السجود، فـ ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدا)). وقال : ((وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)). وكحال الوجل ورقة القلب، فعن أبي الدرداء أنه سئل عن الوجل المذكور في قوله تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم [الأنفال:2].

فقال: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى.

قال: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يستجاب عند ذلك.

3- أن يقدم التوبة والاستغفار بين يدي الدعاء.

4- أن يستقبل القبلة، فقد خرج النبي يستسقي فاستقبل القبلة ودعا.

5- أن يرفع يديه بالدعاء، ((فإن الله تعالى حي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صفرا)).

6- أن يبدأ بحمد الله وتمجيده والثناء عليه، كما أرشدنا إلى ذلك ربنا سبحانه في سورة الفاتحة، حيث بدأ بالحمد والثناء والتمجيد، ثم أتبعه بالدعاء والسؤال.

7- أن يصلي على النبي ، فقد سمع النبي رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله تعالى ولم يصلّ على النبي ، فقال: ((عجل هذا)). ثم دعاه فقال له: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه عز وجل والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ، ثم يدعو بعد بما شاء)).

8- أن يدعو الله تعالى بربوبيته، يا رب! يا رب، فهذا هو هدى الصالحين في الدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار [البقرة:201].

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [آل عمران:8].

9- أن يجزم المسألة ولا يعلّق على المشيئة، لقوله : ((لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليجزم المسألة فإنه لا مكره له)).

10- أن يوقن بالإجابة: لأن الله وعد بها، وهو سبحانه لا يخلف وعده ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)). وكان عمر يقول: إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه، لأن الله تعالى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه [السجدة:5].

فإذا أراد أن يجيبك ألهمك أن تدعوه، فتدعوه فيجيبك، كما قال تعالى: ثم تاب عليهم ليتوبوا [التوبة:118].

تاب عليهم في القضاء ليتوبوا في الواقع فيتوب عليهم ويغفر لهم.

11- التضرع والخشوع والرغبة، فإن الله تعالى قال: ادعوا ربكم تضرعا وخفية [الأعراف:55].

وأثنى على آل زكريا فقال: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين [الأنبياء:90].

12- الإلحاح في الدعاء والسؤال، فعن ابن مسعود قال: ((كان النبي إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل ثلاثا)).

13- التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى كما أمر بذلك فقال: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف:180].

وسمع النبي رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد .

فقال : ((لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب)).

14- التوسل إلى الله تعالى بصالح الأعمال:

عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله يقول: ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليه الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم)).

فقال رجل منهم: ((اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه، وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها على نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلّي بين وبين نفسها، ففعلت، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج.

وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء، وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب. فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدّ إلي أجري. فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون)).

15- أن يختم بالصلاة على النبي ، لقول عمر : الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك .

فإذا أخذ الداعي نفسه بهذه الآداب، فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد، إلا إذا كانت هناك آفات تمنع قبوله.

ومن الآفات التي تمنع قبول الدعاء:

1- غفلة القلب، وعدم إقباله على الله تعالى وجمعيته عليه وقت الدعاء: قال النبي : ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه)).

2- أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء: قال : ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)).

3- المعاصي: فالمعاصي تمنع قبول الدعاء، ولذا قال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي.

ومن أعظم المعاصي:

أ- أكل الحرام: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ، وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون . ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!)).

ب- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: عن حذيفة عن النبي قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)).