منتدى إسلامي على مذهب أهل السنة والجماعة
 
الرئيسيةصفحه1التسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
Flag Counter
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
»  كتاب . * غاية المريد في علم التجويد * المؤلف / عطية قابل نصر .
الأحد مايو 07, 2017 10:16 pm من طرف إبراهيم باشا

» ** كن متفائلًا **
السبت مايو 06, 2017 9:06 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ما تعريف التوحيد ؟ وما أنواعه ؟ * لفضيلة الشيخ / ابن عثيمين .
الثلاثاء مايو 02, 2017 9:47 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ماذا تفعل المرأة إذا طهرت بعد الفجر مباشرة ، هل تمسك وتصوم هذا اليوم ؟ * لفضيلة الشيخ / ابن عثيمين .
الأحد أبريل 23, 2017 10:28 pm من طرف إبراهيم باشا

» نحو خطوات فاعلة للداعية المسلمة .
السبت أبريل 22, 2017 9:58 pm من طرف إبراهيم باشا

» التربية بالمكافئة .
الثلاثاء أبريل 18, 2017 10:10 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ما حكم خلوة الرجل بزوجة أخيه ؟ * لفضيلة الشيخ العلامة / مصطفى العدوي .
السبت أبريل 15, 2017 9:52 pm من طرف إبراهيم باشا

» * نصيحة لمن يتكلمون في أهل العلم * لفضيلة الشيخ العلامة / مصطفى العدوي .
السبت أبريل 15, 2017 9:24 pm من طرف إبراهيم باشا

» خطبة مفرغة بعنوان : ** الشائعات ، وآثارها السيئة على الفرد والمجتمع **
السبت أبريل 08, 2017 10:05 pm من طرف إبراهيم باشا


شاطر | 
 

 شرح أحاديث رياض الصالحين . باب المراقَبة ( جزء 5 ) . شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين .

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
إبراهيم باشا
Admin
avatar

عدد المساهمات : 703
تاريخ التسجيل : 23/02/2013
الموقع : http://www.ansarsonna.com

مُساهمةموضوع: شرح أحاديث رياض الصالحين . باب المراقَبة ( جزء 5 ) . شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين .   الإثنين ديسمبر 14, 2015 8:07 pm




شرح أحاديث رياض الصالحين .
باب المراقَبة ( جزء 5 ) .

شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين .

تصحيح لُغَوي و تنسيق مقالٍ أ/ إبراهيم باشا .




و قوله: ((أخبرني عن الإيمان)) الإيمان محله القلب، الإسلام محله الجوارح ؛

و لهذا نقول: الإسلام عمل ظاهري ، و الإيمان أمر باطني، فهو في القلب.

فالإيمان: هو اعتقاد الإنسان للشيء اعتقادًا جازمًا به لا يتطرق إليه الشك و لا الاحتمال، بل يؤمن به كما يؤمن بالشمس في رابعة النهار لا يُمترى فيه ، فهو إقرار جازم لا يلحقه شك موجب لقبول ما جاء في شرع الله، و الإذعان له إذعانًا تامًّا.

فقال له: ((الإيمان أن تؤمن بالله، و ملائكته، و كتبه، و رسله، و اليوم الآخر، و تؤمن بالقدر خيره و شره)) هذه ستة أركان هي أركان الإيمان:

قوله: ((أن تؤمن بالله)) : أي : تؤمن بأن الله سبحانه موجود ، حي، عليم، قادر، وأنه سبحانه وتعالى رب العالمين، لا رب سواه، و أن له الملك المطلق، و له الحمد المطلق، و إليه يرجع الأمر كله، و أنه سبحانه هو المستحق للعبادة لا يستحقها أحد سواه، سبحانه و تعالى ، و أنه هو الذي عليه التُّكلان، و منه النصر و التوفيق، و أنه متصف بكل صفات الكمال على وجه لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأنه سبحانه و تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:11] .

إذًا تؤمن بوجود الله، و بربوبيته وألوهيته، و أسمائه و صفاته، لا بد من هذا، فمن أنكر وجود الله فهو كافر، - العياذ بالله- مخلد في النار، و من تردد في ذلك أو شك فهو كافر؛ لأنه لا بد في الإيمان من الجزم بأن الله حي، عليم، قادر، موجود. و مَن شك في ربوبيته فإنه كافر. و من أشرك معه أحد في ربوبيته فهو كافر،

فمن قال: إن الأولياء يدبِّرون الكون و لهم تصرف في الكون فدعاهم و استغاث بهم و استنصر بهم فإنه كافر و العياذ بالله؛ لأنه لم يؤمن بالله.

و من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فهو كافر؛ لأنه لم يؤمن بانفراده بالألوهية ، فمن سجد للشمس أو القمر، أو للشجر، أو للنهر، أو للبحر، أو للجبال، أو للملك، أو لنبي من الأنبياء، أو لولي من الأولياء، فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة ؛ لأنه أشرك بالله معه غيره.

و كذلك من أنكر على وجه التكذيب شيئًا مما وصف الله به نفسه فإنه كافر؛ لأنه مكذب لله تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم ، فإذا أنكر صفة من صفات الله على وجه التكذيب فهو كافر؛ لتكذيبه لما جاء في الكتاب و السنة. فإذا قال مثلًا: إن الله لم يستوِ على العرش و لا ينزل إلى السماء الدنيا فهو كافر، و إذا أنكرها على وجه التأويل فإنه يُنظر، هل تأويله سائغ يمكن أن يكون محل للاجتهاد أو لا؟ ، فإن كان سائغًا فإنه لا يكفر، لكنه يفسق ، لخروجه عن منهج أهل السنة و الجماعة، و أما إذا كان ليس له مسوِّغ، فإن إنكار التأويل الذي لا مسوغ له كإنكار التكذيب ، فيكون أيضًا كافرًا- و العياذ بالله-.

و إذا آمنت بالله على الوجه الصحيح، فإنك سوف تقوم بطاعته ممتثلًا أمره مجتنبًا نهيه؛ لأن الذي يؤمن بالله على الوجه الصحيح لابد أن يقع في قلبه تعظيم الله على الإطلاق، ولابد أن يقع في قلبه محبة الله على الإطلاق، فإذا أحبَّ الله حبًا مطلقًا لا يساويه أي حب، وإذا عظَّم تعظيمًا مطلقًا لا يساويه أي تعظيم، فإنه بذلك يقوم بأوامر الله وينتهي عما نهى الله عنه.

كذلك يجب عليك- من جملة الإيمان بالله- أن تؤمن بأن الله فوق كل شئ، على عرشه استوى، والعرش فوق المخلوقات كلها، وهو أعظم المخلوقات التي نعلمها؛ لأنه جاء في الأثر: ((إن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة أُلقيت في فلاة من الأرض)) . السموات السبع على سعتها والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة بالنسبة للأرض ، ألقِ حلقة من حلق المغفر في فلاة من الأرض وانظر نسبة هذه الحلقة بالنسبة للفلاة ماذا تكون؟ لا شئ! ما هذه الحلقة بالنسبة للفلاة؟ ليست بشيء. وفي بقية الأثر: ((وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة)). إذًا الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة أُلقيت في فلاة من الأرض. فانظر إلى عظم هذا العرش، ولهذا وصفه الله بالعظيم، كما قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:129]، وقال:﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:15]، فوصفه الله بالمجد والعظمة، وكذلك بالكرم ،

فهذا العرش استوى الله تعالى فوقه، فالله فوق العرش، والعرش فوق جميع المخلوقات، والكرسي- وهو صغير بالنسبة للعرش- وسع السماوات والأرض، كما قال تعالى:﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ﴾[البقرة:255]، فيجب عليك أن تؤمن بأن الله تعالى فوق كل شئ، وأن جميع الأشياء ليست بالنسبة إلى الله شيئًا، فالله تعالى أعظمُ وأجلُّ من أن يحيط به العقل أو الفكر، بل حتى البصر إذا رأى الله- والله سبحانه وتعالى يراه المؤمنون في الجنة- لا يمكن أن يدركوه أو يحيطوا به، كما قال الله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:103] ، فشأن الله أعظمُ شأنٍ وأجلُّ شأن، فلا بد أن تؤمن بالله- سبحانه وتعالى- على هذا الوجه العظيم حتى يوجب لك أن تعبده حق عبادته.

ومن الإيمان بالله: أن تؤمن بأن الله تعالى قد أحاط بكل شي علمًا، وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض من قليل وكثير، وجليل ودقيق ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:5]. وكذلك تؤمن بأن الله تعالى على كل شئ قدير، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، مهما كان هذا الأمر.

وانظر إلى بعث الناس وخَلْقِ الناس، الناس ملايين لا يحصيهم إلا الله- عز وجل- وقد قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:28] ،كل الخلائق خلقهم وبعثهم كنفس واحدة. وقال الله عز وجل في البعث: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾[النازعـات:14،13]، وترى شيئًا من آيات الله في حياتك اليومية، فأن الإنسان إذا نام فقد توفاه الله، كما قال الله تعالى:﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام:60]، لكنها ليست وفاة تامة تفارق فيه الروح الجسد مفارقة تامة، لكن مفارقة لها نوع اتصالٍ بالبدن، ثم يبعث الله النائم من نومه فيحس بأنه قد حيي حياة جديدة، وكان أثر هذا يظهر قبل أن توجد هذه الأنوار الكهربائية، لما كان الناس إذا غشيهم الليل أحسُّوا بالظلمة وأحسوا بالوحشة وأحسوا بالسكون، فإذا انبلج الصبح أحسوا بالأسفار، والنور والانشراح، فيجدون لذة لإدبار الليل وإقبال النهار ،أما اليوم فقد أصبحت الليالي كأنها النهار، فلا نجد اللذة التي كنا نجدها من قبل، ولكن مع ذلك يحس الإنسان بأنه إذا استيقظ من نومه فكأنما استيقظ إلى حياة جديدة، وهذه من رحمة الله وحكمته.

وكذلك نؤمن بأن الله سميع بصير، يسمع كل ما نقول وإن كان خفيًّا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:80]، وقال الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾[طـه:7]، أي: أخفى من السر، وهو ما يُكِنُّه الإنسان في نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾[ق:16]، أي: ما تُحَدِّثُ به نفسه يعلمه الله وإن كان لم يظهر للعباد. وهو- عز وجل- بصير،يبصر دبيب النمل الأسود على الصخرة السوداء في ظلمة الليل، لا يخفى عليه.

فإذا آمنت بعلم الله، وقُدرته، وسمعه، وبصره، أوجب لك ذلك أن تراعي ربك- عز وجل- وأن لا تُسمعه إلا ما يرضى به، وأن لا تفعل إلا ما يرضى به؛ لأنك إن تكلَّمت سمعك، وإن فعلت رآك الله، فأنت تخشى ربك، وتخاف من ربك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك، وكذلك تخشى من ربك أن تسمعه ما لا يرضاه، وأن تسكت عما أمرك به، كذلك إذا آمنت بتمام قدرة الله فإنك تسأله كلَّ ما تريده مما لا يكون فيه اعتداء في الدعاء، ولا تقل إن هذا بعيد، وإن هذا شي لا يمكن! كل شي ممكن على قدرة الله. فها هو موسى- عليه الصلاة والسلام- لما وصل إلى البحر الأحمر هاربًا من فرعون وقومه، أمره الله أن يضرب البحر بعصاه، فَضَرَبَهُ، فانفلق اثني عشر طريقًا، كان الماء بين هذه الطرق كالجبال، وفي لحظة يبسَ البحر وصاروا يمشون عليه كأنما يمشون على صحراء لم يصبْها الماء أبدًا بقدرة الله سبحانه وتعالى.

ويذكر أن سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- لما كان يفتح بلاد فارس ووصل إلى دجلة- النهر المعروف في العراق- عَبَرَ الفرس النهر مشرقين وكسروا الجسور وأغرقوا السفن لئلا يعبر إليهم المسلمون، فاستشار- رضي الله عنه- الصحابة، وفي النهاية قرَّروا أن يعبروا النهر، فعبروا النهر يمشون على سطح الماء بخيلهم وإبلهم ورجلهم لم يمسهم سوء! فمن الذي أمسك هذا النهر حتى صار كالصفاء، كالحجر يسير عليه الجند من غير أن يغرقوا؟ إنه هو الله- عز وجل- الذي على كل شئ قدير.

وكذلك جرى للعلاء بن الحضرمي - رضي الله عنه- حينما غزا البحرين واعترض لهم البحر، دعا الله- سبحانه وتعالى- فعبروا على سطح الماء من غير أن يَمَسَّهم سوء.

وآيات الله كثيرة، فكل ما أخبر الله به في كتابه أو أخبر به رسوله- عليه الصلاة والسلام- أو شاهده الناس من خوارق العادات فإن الإيمان به من الإيمان بالله؛ لأنه إيمان بقدرة الله سبحانه وتعالى.

ومن الإيمان بالله- سبحانه وتعالى- أن تعلم أنه يراك، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الناس، تجده يتعبد لله وكأن العبادة أمر عادي يفعله على سبيل العادة، لا يفعلها كأنه يُشاهدُ ربه عز وجل، وهذا نقص في الإيمان ونقص في العمل.

ومن الإيمان بالله:أن تؤمن بأن الحكم لله العلي الكبير! الحكم الكوني والشرعي كله لله لا حاكم إلا الله- سبحانه وتعالى- وبيده كل شئ، كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:26]. فكم من مَلِكٍ سُلبَ ملكه بين عشيَّةٍ وضحاها، وكم من إنسان عادي صار ملكًا بين عشية وضحاها؛ لأن الأمر بيد الله، وكم من إنسان عزيز يرى أنه غالب لكل أحد، فيكون أذل عباد الله بين عشية وضحاها! وكم من إنسان ذليل يكون عزيزًا بين عشية وضحاها؛ لأن الملْكَ والحكم لله سبحانه وتعالى، وكذلك الحكم الشرعي لله، ليس لأحد، فالله تعالى هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، وليس أحد من الخلق له الفصل في ذلك، فالإيجاب والتحليل والتحريم لله، ولهذا نهى الله عباده أن يصفوا شيئًا بالحلال والحرام بدون إذن، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل:117،116] . فالحاصل أن الإيمان بالله بابه واسع جدًّا، ولو ذهب الإنسان يتكلم عليه لبقي أيامًا كثيرة، ولكن الإشارة تُغني عن طويل العبارة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وملائكته)): والملائكة: هم عالم غيبي، خلقهم الله- سبحانه وتعالى- من نور، وجعل لهم أعمالًا خاصة، كل منهم يعمل بما أمره الله به، وقد قال الله في ملائكة النار: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]، فهم ليس عندهم استكبار عن الأمر ولا عجز عنه، يفعلون ما أُمروا به ويقدرون عليه، بخلاف البشر، فالبشر قد يستكبرون عن الأمر، وقد يعجزون عنه، أما الملائكة فخُلقوا لتنفيذ أمر الله، سواء في العبادات المتعلقة بهم أو في مصالح الخلق.

فمثلًا جبريل عليه الصلاة والسلام- أشرف الملائكة- موكل بالوحي، ينزل به من الله على رُسُلِه وأنبيائه، فهو موكل بأشرف شيء ينتفع به الخلق والعباد، وهو ذو قوة، أمين مطاع بين الملائكة، ولهذا كان أشرف الملائكة.

كما أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أشرف الرسل قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم:6،5]، يعني علَّم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ أي ذو القوة الشديدة وهو جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي ذو هيئة حسنة ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي: كَمُلَ وعلا ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾. وقال عز وجل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي: جبريل ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 21،19].

ومن هؤلاء أيضًا من وكِّلوا بمصالح الخلق من جهة أخرى في حياة الأرض والنبات، مثل ميكائيل- عليه الصلاة والسلام- فإن ميكائيل مُوَكَّل بالقَطْر- المطر- والنبات، وفيهما حياة الأبدان، حياة الناس وحياة البهائم، فالأول جبريل مُوَكَّل بما فيه حياة القلوب وهو الحي وميكائيل مُوَّكل بما فيه حياة الأبدان وهو القطر والنبات.

ومنهم إسرافيل- عليه الصلاة والسلام- وهو أحد حملة العرش العظام، وهو مُوكَّل بالنفخ في الصور، وهو قرن عظيم دائرته كما بين السماء والأرض، ينفخُ فيه إسرافيل، فإذا سمعه الناس سمعوا صوتًا لا عهدَ لكم به، صوتًا مزعجًا، فيفزعون ثم يُصقعون، أي يموتون من شدة هذا الصوت، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:68]، تتطاير الأرواح من هذا القرن، من هذا الصور، ثم ترجع كل روح إلى بدنها الذي تعمره في الدنيا، لا تخطئه شعرة بأمر الله عز وجل. فكل هؤلاء الثلاثة موكَّلون بما فيه الحياة! فجبريل موكَّل بما فيه حياة القلوب، وميكائيل بما فيه حياة النبات والأرض، وإسرافيل بما فيه حياة الأبدان، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُثني على الله بربوبيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة في افتتاح صلاة الليل، فكان يقول في افتتاح صلاة الليل بدل ((سبحانك اللهم وبحمدك)) ، يقول: ((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) رواه مسلم.

ومنهم من وُكِّل بقبض الأرواح وهو ملَك الموت، وله أعوان يساعدونه على ذلك، وينزلون بالكفن والحنوط للروح التي تخرج من الجسد إن كان من أهل الإيمان- جعلنا الله منهم- فإنهم ينزلون بكفن من الجنة وحنوط من الجنة، وإن كانوا من أهل النيران نزلوا بحنوط من النار وكفن من النار، ثم يجلسون عند المحتَضَرِ الذي حضر أجله ويخرجون روحه حتى تبلغ الحلقوم، فإذا بلغت الحلقوم استلَّها ملك الموت ثم أعطاهم إياها فوضعوها في الحنوط والكفن، فالملائكة تكفن وتحنط الروح، والبشر يكفنون ويحنطون البدن، فانظر إلى عناية الله بالآدمي، ملائكة يكفنون روحه، وبشر يكفنون بدنه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:61]، لا يفرِّطون في حفظها: ولا يفرطون فيها.

وملك الموت أعطاه الله تعالى قدرة على قبض الأرواح في مشارق الأرض ومغاربها، يقبضها ولو ماتوا في لحظة واحدة، لو فُرض أن جماعة أصابهم حادث وماتوا في آن واحد، فإن ملك الموت يقبض أرواحهم في آن واحد ، ولا تستغرب؛ لأن الملائكة لا يُقاسون بالبشر؛ لأن الله أعطاهم قدرة عظيمة أشد من الجن، فالجن أقوى من البشر، والملائكة أقوى من الجن.

وانظر إلى قصة سليمان- عليه الصلاة والسلام- حيث قال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ عفريت يعني قوي شديد ﴿أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل:39،38] ، ومكان العرش في اليمن ،وسليمان في الشام ، مسيرة شهر بينهما ، ومع ذلك قال له: ﴿أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ وكان سليمان عادة يقوم من مقامه في ساعة معينة، فـ ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾[النمل:40]، والثاني أسرع من الأول، أي: مدة بصرك ما ترده إلا وقد جاءك ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ﴾ حالًا رآه ﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قال العلماء: إن هذا الذي عنده علم من الكتاب دعا الله باسمه الأعظم، فحملت الملائكة العرش من اليمن إلى الشام في هذه اللحظة.

إذًا فالملائكة أقوى من الجن.

فلا تستغرب أن يموت الناس في مشارق الأرض ومغاربها وأن يقبض أرواحهم ملك واحد، كما قال الله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾[السجدة:11] . فإذا قال الله لهذا الملَك اقبض روح كل من مات، هل يمكن أن يقول لا؟ لا يمكن! ؛ لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم،

ولهذا لما قال الله للقلم اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، والقلم جماد، كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالله- عز وجل- إذا أمر بأمر لا يمكن أن يعصي إلا المرَدَةُ من الجن أو من بني آدم، أما الملائكة فلا يعصون الله؟!

وهؤلاء أربعة من الملائكة.

والملَك الخامس مالك، الموكَّل بالنار، وهو خازنها، وقد ذكره الله في قوله عن أهل النار:﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:77]، يعني: ليُمِتنا ويُهلكنا ويُرحنا مما نحن فيه! قال: إنكم ماكثون!

السادس: خازن الجنة: وَوَرَدَ في بعض الآثار أن اسمه(رضوان) وهذا وكِّل بالجنة كما أن مالكًا وكِّل بالنار.

فمن علِمنا اسمه من الملائكة آمنا به باسمه، ومن لم نعلم باسمه آمنا به على سبيل الإجمال، آمنا بعمله الذي نعلمه وبوصفه وبكلِّ ما جاء به الكتاب والسنة من أوصاف هؤلاء الملائكة.



مسألة: قلنا إن الملائكة عالم غيبي، فهل يمكن أن يُرَوا؟

الجواب: نعم قد يُرَون، إما على صورتهم التي خُلقوا عليها، وإما على صورة من أراد الله أن يكون على صورته! فجبريل رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلقه الله عليها في موضعين، في الأرض وفي السماء: في الأرض عند غار حراء قرب مكة، وفي السماء عند سدرة المنتهى، كما قال الله ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:14،13]، رآه وله ستمائة جناح قد سد الأفق، أي: ملا الأفق كله وله ستمائة جناح، ولا يعلم قدرة الأجنحة إلا الله عز وجل، لكن إذا كان الشيء عاليًا وسد الأفق فمعناه أنه واسع جدًا ، هذا الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته مرتين، أحيانًا يأتيه بصورة إنسان كما في حديث عمر- رضي الله عنه- الذي معنا في قصة جبريل، فقد جاءه بصورة رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه الصحابة، والله على كل شيء قدير، قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى ذلك أن يَتَصَوَّروا بصور البشر، إما باختيارهم وإما بإرادة الله، الله يأمرهم أن يكونوا على هذه الصورة فالله أعلم.

إنما هذه حال الملائكة- عليهم الصلاة والسلام- وتفاصيل ما ورد فيهم مذكور في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن علينا أن نؤمن بهؤلاء الملائكة وأنهم أقوياء أشداء، قال الله لهم في غزوة بدر: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:12]، فكانوا يقاتلون مع الصحابة في بدر، فيُرى الكافر يسقط مضروبًا بالسيف على رأسه ولا يدري من الذي قتله، والذي قتله هم الملائكة؛ لأن الله قال لهم: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:13،12]

فعلينا أن نؤمن بهم، من عَلمْناه بعينه آمنا به بعينه، وإلا فبالإجمال، وأن نؤمن بمن جاء عنهم من عبادات وأعمال على وفق ما جاء في الكتاب والسنة،

والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، ومن أنكرهم، أو كذَّب بهم، أو قال: إنهم لا وجودَ لهم، أو قال: إنهم هم قوى الخير، والشياطين هم قوى الشر، فقد كفر كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأنه مكذب لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين.

وقد ضل قوم غاية الضلال حيث أنكروا أن يكون هنالك ملائكة- والعياذ بالله- وقالوا: إن الملائكة عبارة عن قوى الخير وليس هناك شيء يسمى عالم الملائكة.

وهؤلاء إن قالوا ذلك متأولين فإن الواجب أن نبيِّن لهم أن هذا تأويل باطل، بل تحريف، وإن قالوه غير متأولين فإنهم كفَّار مكذبون لما جاء به الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة من وجود الملائكة، والله قادر على أن يخلق عالمًا كاملًا لا يحس به البشر عن طريق حواسهم المعتادة، فها هم الجن موجودون ولا إشكال في وجودهم، ومع ذلك لا تدركهم حواسنا الظاهرة كما تدرك الأشياء الظاهرة، ولله تعالى في خلقه شؤون.

وقوله: ((وَكُتُبِهِ)) وهو الركن الثالث، والكتب جمع كتاب، والمراد به الكتاب الذي أنزله الله على الرسل ، فكل رسول له كتاب، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى:17]، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:25].

لكن من الكتب ما لا نعلمه ومنها مانعلمه! فالتوراة، وهي الكتاب الذي أنزله الله على موسى- عليه الصلاة والسلام- معلوم، والإنجيل، وهو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى- عليه الصلاة والسلام- معلوم، وصحف إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- مذكورة في القرآن، وزبور داوُد- عليه الصلاة والسلام- مذكور في القرآن، وصحف موسى- عليه الصلاة والسلام- إن كانت غير التوراة مذكورةٌ في القرآن أيضًا، فما ذكر الله اسمه في القرآن وجب الإيمان به بعينه واسمه، وما لم يذكر فإنه يؤمن به إجمالًا ، فنؤمن بأن الله أنزل على موسى- عليه الصلاة والسلام- كتابًا هو التوراة، وعلى عيسى كتابًا هو الإنجيل، وعلى داود عليه الصلاة والسلام- كتابًا هو الزبور، وعلى إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- صحفًا، هكذا نقول ، ولا يعني ذلك أن ما وُجِدَ عند النصارى اليوم هو الذي نزل على عيسى؛ لأن الأناجيل الموجودة عند النصارى اليوم محرَّفة ومغيَّرة ومبدَّلة، لعب بها قساوسة النصارى فزادوا فيها ونقصوا وحرفوا، ولهذا تجدها تنقسم إلى أربعة أقسام أو خمسة، ومع ذلك فإن الكتاب الذي نزل على عيسى كتاب واحد، لكن الله تعالى إنما تكفل بحفظ الكتاب الكريم الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا نبي بعده، يبيِّن للناس ما هو الصحيح، وما هو المحرف، أما الكتب السابقة فإنها لم تخلُ من التحريف؛ لأنه سيبعث أنبياء يُبيِّنون فيها الحق ويُبيِّنون فيها المحرَّف،

وهذا هو السر في أن الله تكفل بحفظ القرآن دون غيره من الكتب، من أجل أن يعلم الناس حاجتهم إلى الأنبياء إذا وجدوا الكتب محرفة، فتأتي الأنبياء وتبيِّن الحق.

فالمهم أن نؤمن بأن الكتاب الذي نزل على النبي المعين حق من عند الله، لا على أن الكتاب الذي في أيدي أتباعه اليوم هو الكتاب الذي نزل، بل قطعًا إنه محرَّف ومغيَّر ومبدَّل.

ومن الإيمان بالكتب أن تؤمن بأن كل خبر جاء فيها فهو حق، كما أن كل خبر في القرآن فهو حق؛ لأن الأخبار التي جاءت في الكتب التي نزلت على الأنبياء من عند الله،وكل خبر من عند الله فهو حق،وكذلك تؤمن بأن كل حكم فيها صحيح من عند الله فهو حق ، يعني كل حكم لم يحرَّف ولم يغيَّر فهو حق؛ لأن جميع أحكام الله التي ألزم الله بها عباده كلها حق،

لكن هل هي بقيت إلى الآن غير محرَّفة؟

هذا السؤال بيَّنا الجواب عليه بأنها غير مأمونة، بل مغيَّرة ومحرَّفة ومبدَّلة، ولكن هل علينا أن نعمل بالأحكام التي جاءت بها الكتب السابقة؟

نقول: أما ما قصَّهُ الله علينا من هذه الكتب، فإننا نعمل به ما لم يرِد شرعنا بخلافه، مثاله قوله تعالى عن التوراة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:45]، هذه مكتوبة في التوراة ونقلها الله- عز وجل- لنا في القرآن، لكن الله- عز وجل- لم يقصَّها علينا إلا من أجل أن نعتبر ونعمل بها، كما قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:111]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:90]، فما قصه الله علينا وما نقله لنا من الكتب السابقة فهو شرع لنا؛ لأن الله لم يذكره عبثًا، إلا إذا ورَدَ شرعنا بخلافه، فإذا ورد شرعنا بخلافه صار ناسخًا لها، كما أن من الآيات الشرعية النازلة في شرعنا ما يكون منسوخًا بآيات أخرى، فكذلك ما ذكره الله عن الكتب السابقة نقلًا فإنه قد ينسخ بهذه الشريعة، أما ما جاء في كتبهم فإننا لا نصدقه ولا نكذبه، كما أمر بذلك النبي- عليه الصلاة والسلام- فيما إذا حدثنا بنو إسرائل أن لا نصدقهم ولا نكذبهم؛ لأننا ربما نصدقهم بالباطل وربما نكذبهم بحق، فنقول: آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إليكم، ولا نصدقهم ولا نكذبهم إذا كان لم يشهد شرعنا بصحته ولا بكذبه، فإن شهد بصحته أو بكذبه عملنا ما تقتضيه هذه الشهادة، إن شهد بصحته صدقناه، وإن شهد بكذبه كذبناه.

ومن ذلك ما يُنسب في أخبار بني إسرائيل إلى أخبار بعض الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- كما ذُكر عن داود أنه أعجبته امرأة رجل من جنده وطلب من الجندي أن يذهب إلى العدو ويقاتل لعله يُقتل فيأخذ امرأته من بعده! وأنه أرسل الجندي فبعث الله إليه جماعة من الملائكة يختصمون إليه فقال أحد الخصمين: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ(23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾[ص:24،23] ، قالوا فهذا مَثَلٌ ضربه الله لداود حيث كان عنده من النساء ما يبلغ تسعًا وتسعين امرأة، فحاول أن يأخذ امرأة هذا الجندي ليُكملَ بها المائة! فهذه القصة كذب واضح ؛ لأن داود- عليه الصلاة والسلام- نبي من الأنبياء، ولا يمكن أن يتحيل هذه الحيلة، بل لو أنه غيرُ نبيٍّ ما فعل هذا وهو عاقل فكيف وهو نبي؟!

فمثل هذه القصة التي جاءت عن بني إسرائيل نقول إنها كذب؛ لأنها لا تليق بالنبي، ولا تليق بأي عاقل، فضلًا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

الخلاصة: أن ما جاء في كتبهم ينقسم إلى قسمين رئيسيْن:
أولًا: ما قصه الله علينا في القرآن أو قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا مقبول صحيح.
والثاني: ما نقلوه هم، فهذا لا يخلوا من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يشهد شرعنا بكذبه، فيجب علينا أن نكذِّبه ونردَّه.
والثانية: ما شهد شرعنا بصدقه فنصدقه ونقبله لشهادة شرعنا به.
والثالث: ما ليس هذا ولا هذا، فيجب علينا أن نتوقف؛ لأنهم لايؤمنون، ويحصل في خبرهم الكذب والتغيير والزيادة والنقص.

قوله: ((وَرُسُلِهِ)) هذا هو الركن الرابع، الرسلُ هم البشر الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى الخلق وجعلهم واسطة بينه وبين عباده في تبيلغ شرائعه، وهم بشر خلقوا من أبٍ وأم، إلا عيسى ابن مريم- عليه الصلاة والسلام- فإن الله خلقه من أم بلا أب.

أرسلهم الله سبحانه وتعالى رحمة بالعباد وإقامة للحجة عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:163ـ 165]. وهم عدد كثير، أولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾

وقد صحَّ في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة: (( أن الناس يوم القيامة يأتون إلى نوح فيقولون له: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض)) أخرجه البخاري،ومسلم .

أما دليل كون النبي- عليه الصلاة والسلام- آخر الرسل فهو قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:40] وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أنا خاتم النبيين)) أخرجه البخاري،ومسلم .

فعلينا أن نؤمن بأن جميع الرسل الذين أرسلهم الله صادقون فيما بلَّغوا به عن الله وفي رسالتهم.
- علينا أن نؤمن بأسماء من عُيِّنت أسماؤهم لنا ومن لم تُعيَّن أسماؤهم لنا،فإننا نؤمن بهم على سبيل الإجمال.
- علينا أيضًا أن نؤمن أن ما من أمة إلا أرسل الله إليها رسولًا لتقوم عليهم الحجة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:36]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:24].
وعلينا أن نُصَدِّقَ بكل ما أخبرتْ به الرسل إذا صح عنهم من جهة النقل ونعلم أنه حق.

وعلينا أن نتبع خاتمهم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي فرض علينا اتِّباعه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:158]، فأمرنا الله تعالى باتباعه. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:31]،

أما ما سواه من الرسل فإننا نتبعهم إذا ورد شرعنا بالأمر باتباعهم، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((أفضل الصلاة صلاة أخي داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثُلُثه وينام سُدُسه، وأفضل الصيام صيام أخي داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا)) أخرجه البخاري،ومسلم .

فهذا حكاية لتعبد داود وتهجده في الليل، وكذلك صيامه، من أجل أن نتبعه فيه.

أما إذا لم يرد شرعنا بالأمر باتباعه فقد اختلف العلماء- رحمهم الله- هل شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بالأمر بخلافه، أو أنه ليس بشرع لنا حتى يرد شرعنا بالأمر باتباعه؟ والصحيح أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد شرعنا بخلافه؛ لأنه تعالى لما ذكر الأنبياء والرسل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾[الأنعام:90]، فأمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدي من سبقه وقال الله تعالى:﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:111]، وهذه آخر سورة يوسف التي قصَّ الله تعالى علينا قصته مطولة من أجل أن نعتبر بما فيها، ولهذا أخذ العلماء- رحمهم الله- من سورة يوسف فوائد كثيرة، في أحكام شرعية في القضاء وغيره، وأخذوا منها: العمل بالقرائن عند الحكم، لقوله تعالى:﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ( 26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:27،26]، فقالوا: هذه قرينة؛ لأنه إذا كان القميص قُدَّ من قُبلٍ فالرجل هو الذي طلبها فقدَّت قميصَه، وإذا كان من دُبُر- من الخلف- فهي التي طلبته وجَرَّت قميصه حتى انقد، فهذه قرينة ثبت بها الحكم، والعلماء اعتمدوا هذه القرينة وإن كان في السنة ما يدل على الحكم بالقرائن في غير هذه المسألة، لكن القول الراجح في (شرع من قبلنا أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه)،

وللرُّسُل- عليهم الصلاة والسلام- علينا: أن نحبهم، وأن نعظمهم بما يستحقون، وأن نشهد بأنهم في الطبقة العليا من طبقات أهل الخير والصلاح، كما قال الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾[النساء:69].

أما الركن الخامس فهو: ((الإيمان باليوم الآخر)). واليوم الآخر: هو يوم القيامة، وسمي يوم القيامة باليوم الآخر ؛ لأنه لا يوم بعده،

فالإنسان له مراحل أربع: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة يوم القيامة، وهي آخر المراحل، ولهذا سمي اليوم الآخر، يسكن فيه الناس ، إما في الجنة نسأل الله أن يجعلنا منهم، و إما في النار- والعياذ بالله- فهذا هو المصير.

والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في كتاب(العقيدة الواسطيَّة) وهو كتاب مختصر في عقيدة أهل السنة والجماعة، من أحسن ما كتبه شيخ الإسلام- رحمه الله- في جمعهِ ووضوحهِ وعدمِ الاستطرادات الكثيرة. يقول رحمه الله: (يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت) .
- فمن ذلك: فتنة القبر: إذا دُفن الميت أتاه ملكان يجلسانه ويسألانه ثلاثة أسئلة، يقولان: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك!؟
فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت - أسأل الله أن يجعلني و إياكم منهم- فيقول المؤمن: ربي الله، و ديني الإسلام، و نبيِّي محمد ، فينادي منادٍ من السماء أن صَدَق عبدي فأفرشوه من الجنة و ألبسوه من الجنة و افتحوا له بابًا إلى الجنة، و يُفسح له في قبره مد البصر و يأتيه من الجنة روحها، و يشاهد فيها ما يشاهد من النعيم .

و أما المنافق- و العياذ بالله- أو الكافر، فيقول: هاه هاه .. لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته؛ لأن الإيمان لم يصل إلى قلبه، إنما هو بلسانه فقط فهو يسمع و لا يدري ما المعنى، ولا يُفتحُ عليه في قبره.

هذه فتنة عظيمة جدًّا ، و لهذا أمرنا النبي- عليه الصلاة و السلام- أن نستعيذ بالله منها في كل صلاة ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، و عذاب النار)) أخرجه البخاري،ومسلم .
- و من ذلك أيضًا أن نؤمن بنعيم القبر و عذاب القبر ، نعيم القبر لمن يستحق النعيم من المؤمنين، و عذاب القبر لمن يستحق العذاب، و قد جاء ذلك في القرآن و السنة، و أجمع عليه أهل السنة و الجماعة.
- ففي كتاب الله يقول تبارك و تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ( 31)الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[النحل:32]، [ أي :عند الوفاة] . و يقول الله سبحانه و تعالى في آخر سورة الواقعة: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة:89،88] ، يقول هذا في حال ذكر المحتضر إذا جاءه الموت ، إذا كان من المقربين فَلَهُ روحٌ ورَيحان و جنة نعيم في نفس اليوم .

أما عذاب القبر فاستمع إلى قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: سكرات الموت ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ مادين أيديهم لهذا المحتضر من الكفار ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ وكأنهم شحيحون بأنفسهم؛ لأنها تُبَشِّر- و العياذ بالله- بالعذاب، فتهرب في البدن و تتفرَّق و يشح بها الإنسان، فيقال: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:93] ، أي: اليوم يوم موتهم عند احتضارهم.
و قال الله سبحانه في آل عمران: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فقال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ هذا قبل قيام الساعة ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.

و لكن يجب علينا أن نعلم أن هذا النعيم و العذاب أمر غيبي لا نطلع عليه؛ لأننا لو اطلعنا عليه ما دَفَنَّا أمواتنا؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يُقِّدم ميِّته لعذاب يسمعه، يفزع؛ لأن الكافر أو المنافق إذا عجز عن الإجابة يضرب بمرزبةٍ- قطعة من الحديد مثل المطرقة- من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شئ إلا الإنسان قال النبي صلى الله عليه و سلم : ((ولو سمعها الإنسان لصعق)) .
و قال النبي صلى الله عليه و مسلم : ((لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)) أخرجه مسلم .

و لكن من نعمة الله أننا لا نعلم به حسًّا، بل نؤمن به غيبًا و لا ندركه حسًّا. كذلك لو كان عذاب القبر شهادة وحسًّا لكان فيه فضيحة! إذا مررت بقبر إنسان وسمعته يعذَّب ويصيح ففيه فضيحة له.
ثالثًا: ولو أن شهادة يحسُّ لكان هذا قلقًا على أهله وذويه، فلا ينامون في الليل وهم يسمعون صاحبهم يصيح ليلًا ونهارًا من العذاب، لكن من رحمة الله- سبحانه وتعالى- أن الله جعله غيبًا لا يُعلمُ عنه، فلا يأتي شخص ويقول: إننا لو حفرنا القبر بعد يومين لم نجد أثرًا للعذاب! نقول: لأن هذا أمر غيبي، على أن الله تعالى قد يطلع على هذا الغيب من شاء من عباده، فربما يطلع عليه، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين في المدينة وقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبيرة، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) ، فأطلَعَ الله نبيه على هذين القبرين أنهما يعذبان. فالحاصل أنه يجب علينا أن نؤمن بفتنة القبر ، وهي سؤال الملَكين عن ربه ودينه ونبيه، وأن نؤمن بنعيم القبر أوعذابه .

- ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: أن يؤمن الإنسان بما يكون في نفس اليوم الآخر، وذلك أنه إذا نُفخَ في الصور النفخة الثانية قام الناس في قبورهم لله رب العالمين حفاة ليس عليهم نِعال، وعراة ليس عليهم ثياب، وغرلًا ليس مختونين، وبُهمًا ليس معهم مال، كل الناس حتى الأنبياء والرسل يُبعثون هكذا، كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:104]، فكما أن الإنسان يخرج من بطن أمه هكذا عاريًا غير منتعل، غير مختون، ليس معه مال، فكذلك يخرج من بطن الأرض يوم القيامة على هذه الصفة، يقومون لرب العالمين الرجال والنساء، والصغار والكبار، والكفار والمؤمنون، كلهم على هذا الوصف حفاة غرلًا بهمًا، ولا ينظر بعضهم إلى بعض؛ لأنه قد دهاهم من الأمر ما يشغلهم عن نظر بعضهم إلى بعض، فالأمر أعظم من أن ينظر بعض الناس إلى بعض، ربما تكون المرأة إلى جنب الرجل ولا ينظر إليها ولا تنظر إليه، كما قال اله عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾[عبس: 33 ـ 37].





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ansarsonna.com
 
شرح أحاديث رياض الصالحين . باب المراقَبة ( جزء 5 ) . شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين .
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى جماعة أنصار السنة ببورسعيد :: العلوم الشرعية :: منتدى الأحاديث النبوية-
انتقل الى: