منتدى إسلامي على مذهب أهل السنة والجماعة
 
الرئيسيةصفحه1التسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
Flag Counter
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
»  كتاب . * غاية المريد في علم التجويد * المؤلف / عطية قابل نصر .
الأحد مايو 07, 2017 10:16 pm من طرف إبراهيم باشا

» ** كن متفائلًا **
السبت مايو 06, 2017 9:06 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ما تعريف التوحيد ؟ وما أنواعه ؟ * لفضيلة الشيخ / ابن عثيمين .
الثلاثاء مايو 02, 2017 9:47 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ماذا تفعل المرأة إذا طهرت بعد الفجر مباشرة ، هل تمسك وتصوم هذا اليوم ؟ * لفضيلة الشيخ / ابن عثيمين .
الأحد أبريل 23, 2017 10:28 pm من طرف إبراهيم باشا

» نحو خطوات فاعلة للداعية المسلمة .
السبت أبريل 22, 2017 9:58 pm من طرف إبراهيم باشا

» التربية بالمكافئة .
الثلاثاء أبريل 18, 2017 10:10 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ما حكم خلوة الرجل بزوجة أخيه ؟ * لفضيلة الشيخ العلامة / مصطفى العدوي .
السبت أبريل 15, 2017 9:52 pm من طرف إبراهيم باشا

» * نصيحة لمن يتكلمون في أهل العلم * لفضيلة الشيخ العلامة / مصطفى العدوي .
السبت أبريل 15, 2017 9:24 pm من طرف إبراهيم باشا

» خطبة مفرغة بعنوان : ** الشائعات ، وآثارها السيئة على الفرد والمجتمع **
السبت أبريل 08, 2017 10:05 pm من طرف إبراهيم باشا


شاطر | 
 

 محاضرة مفرغة بعنوان فضل يوم عرفة للشيخ / محمد إسماعيل المقدم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
إبراهيم باشا
Admin
avatar

عدد المساهمات : 703
تاريخ التسجيل : 23/02/2013
الموقع : http://www.ansarsonna.com

مُساهمةموضوع: محاضرة مفرغة بعنوان فضل يوم عرفة للشيخ / محمد إسماعيل المقدم   السبت أكتوبر 12, 2013 8:38 pm


محاضرة مفرغة بعنوان فضل يوم عرفة للشيخ / محمد إسماعيل المقدم


خص الله عز وجل يوم عرفة بفضائل عديدة، ومزايا حميدة، منها أنه يوم الحج الأكبر الذي يباهي الله فيه ملائكته بعباده، ويعتق الله عز وجل فيه جماً غفيراً من النيران، وقد بين الشيخ فضائل هذا اليوم وما يكون فيه، وتجد في هذه المادة قصيدة العلامة الصنعاني في الحج.


قصيدة ابن الأمير في وصف رحلته إلى الحج
الحمد لله الذي أمر خليله أن أذن في الناس بالحج إلى البيت العتيق يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق [الحج:27]، والصلاة والسلام على من أنزل عليه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، وعلى آله وصحبه وذرية خليله الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع فطابوا مقيلاً، ولم تزل أفئدة الناس تهوي إليهم وتطير بأجنحة الشوق بكرة وأصيلاً. أما بعد: فإن ذكريات رحلة الحج وزيارة المدينة النبوية المباركة من أشرف معالم العمر، وأعز وقائع الدهر؛ لأنها تنذر ذا القلب الساكن، فترحل به إلى أشرف البقاع وأطهر الأماكن، وتحلق به في آفاق السمو الروحي الذي يضع عن نفس المسلم آصار التراب وأثقال الرغام، وأغلال الحطام، فتسمو به بعيداً وراء حدود الزمان، لتسترجع ذكريات شروق شمس الإسلام في تلك الأرض المباركة، وتستعيد فصول جهاد الرعيل الأول وصبرهم الشديد الذي قهر اليأس، وإيمانهم العميق الذي أذل الكفر، وهجرتهم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالقلوب والأبدان، حين أخرجوا من البلد الحرام إلى حرم المصطفى عليه الصلاة والسلام، حيث أسست الدولة الإسلامية الأولى على تقوى من الله ورضوان.
ومن قلب هذا الحرم الأطهر بدأت كتائب الإسلام زحفها لاستئصال الجاهلية، ومن قلب طيبة الطيبة بدأت الانطلاقة الأولى لمشعل الإسلام إلى خارج حدود الجزيرة تبدد الظلام، وتوقظ النيام، وتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
ما أعظم الدروس التي يتلقاها المؤمنون في رحلتهم إلى مهبط الوحي! فيتعلمون منها كيف يربطون وجودهم بأهداب الرسالة التي ألفت في ربع قرن من الأميين الضائعين في صحراء المجهول خير أمة أخرجت للناس، ثم قذفت بهم إلى الدنيا كما تقذف الشمس بأشعتها حياة للأرض الميتة، وضياء للأعين الزائغة، ودفئاً للأكباد المقروحة، لتعود بجهادهم إلى الحياة بهجتها، وتشرق الأرض بعد ظلمة بنور ربها، وتحلق الذكريات بنفس المؤمن بعيداً وراء حدود المكان، تطوف بها في أرجاء تلك المشاعر المقدسة، والربوع الطاهرة، وكيف لا تنجذب الأفئدة إليها بخطاطيف الأشواق، وترحل نحوها قلوب أهل النواحي والآفاق، وفيها بيت الله الحرام الذي جعله مثابة يثوب إليه أهل الإسلام من أقطار الأرض على تعاقب الأعوام، فلا تشبع من زيارته القلوب، ولا ترتحل الأنفس إلا وهي بذكره طروب: لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقا ومن الناس من بلغهم الله بيته الحرام فذاقوا وارتزقوا، وعرفوا واغترفوا، فمهما يترددون إليه لا يبغون عنه حولا، ولا يرون أنهم قضوا منه وطراً، إذا ذكروا بيت الله حنوا، وإذا تذكروا بعدهم عنه أنوا، ثم لا يزالون يجأرون إلى مولاهم بقلوب محترقة، ودموع مستبقة، أن يعيدهم إليه مرة، بعد مرة وكرة بعد كرة، ومنهم من فاته منه الدنو فهو يضمه بقلبه في كل حين وآن، ويولي إليه وجهه حيثما كان، قد حرم الوصول إلى البيت، وقلبه موصول برب البيت، عاقته المعاذير، ولم تساعده المقادير، فإذا أذن مؤذن الحج حي على الرحيل تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، فأقاموا مأتماً لها، وأراقوا دموع الأسف، ما أصنع هكذا جرى المقدور الجبر لغيري وأنا المكسور أسير ذنبٍ مقيد مأسور، هل يمكن أن يبدل المذكور؟! ثم أما بعد: فهذه الليلة المباركة هي ليلة عرفات التي يجتمع فيها عيد الجمعة وعيد الحج وموقف الحج الأعظم، نستثمر هذه الفرصة بتلاوة قصيدة عصماء رائعة البيان، خطها بقلمه السيال، وسحره الحلال، الإمام العلامة أبو إبراهيم محمد بن إسماعيل بن صلاح الصنعاني رحمه الله تعالى، حيث سطر فيها ذكريات رحلته إلى حج البيت الحرام، وزيارة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعبر تجربته الشعورية الصادقة أنشأ هذه الأبيات التي تبوح بالشجون، وتكشف الوجد المكنون، وتستنفر الدمع الهتون، وتستمد مدادها من شعلة الأشواق التي اتقدت في أحشائه، واضطرمت في ضلوعه وبين جوانحه، ثم فاضت منها المآقي كالسواقي: عجباً لنار ضرمت في أحشائه فتفيض من أجفانه ينبوعا لهب يكون إذا تلبس بالحشى قيظاً ويظهر في الجفون ربيعا فنشرع بإذن الله تعالى في قراءة هذه القصيدة، والمفترض أن نشرح غريب القصيدة، ولكن في الحقيقة لو توقفنا عند كل كلمة لنشرحها فستذهب حلاوة القصيدة، ومتابعة ما عليها، فنعتذر عن ذكر ألفاظ الغريب، وإن كان المعنى في الجملة واضح تستطيعون إن شاء الله تعالى متابعته، وليتسنى ذكر الحج وبركاته. يقول رحمه الله تعالى بادئاً بما كان اعتاد عليه أهل الجاهلية من الوقوف على الأطلال في أول الكلام ثم يدخل في الموضوع: أيا عذبات البان من أيمن الحمى رعى الله عيشا في رباك قطعناه سرقناه من شرخ الشباب وروْقه فلما سرقنا الصفو منه سُرقناه وجاءت جيوش البين يقدمها القضا فبدد شملاً بالحجاز نظمناه حرام بذي الدنيا زوال اجتماعنا فكم صرمت للشمل حبلاً وصلناه فيا أين أيام تولت على الحمى وليل مع العشاق فيه سمرناه ونحن لجيران المحصب جيرة نوفي لهم حسن الوداد ونرعاه ونخلو بمن نهوى إذا رقد الورى ويبدوعلينا من نحب محياه أقرب ولا بعد وشمل مجمع وكأس وصال بيننا قد أدرناه فهاتيك أيام الحياة وغيرها ممات فياليت النوى ما شهدناه فيا ما أمر البين ما أقتل الهوى أما يا الهوى إن الهنا قد سلبناه فو الله لم يبق الفراق لذاذة فلو من سبيل للفراق فرقناه فكم من قتيل بيننا بسهامه فلو أننا نعطى الخطاق قتلناه فأحبابنا بالشوق بالحب بالجوى لحرمة عقد عندنا ما حللناه لحق هوانا فيكم وودادنا لميثاق عهد صادق ما نقضناه أعيدوا لنا أعيادنا بربوعكم ووقت سرور في حماكم قضيناه فما العيش إلا ما قضينا على الحمى فذاك الذي من عمرنا قد عددناه فياليت عنا أغمض البين طرفه ويا ليت وقتاً للفراق فقدناه وترجع أيام المحصب للمنى ويبدو ثراه للعيون وحصباه وتسرح فيه العيس بين ثمامة وتستنشق الأرواح نشر خزاماه ونشكو إلى أحبابنا طول شوقنا إليهم وماذا بالفراق لقيناه فلا كانت الدنيا إذا لم يعاينوا هم القصد في أولى المشوق وأخراه عليكم سلام الله يا ساكني الحمى بكم طاب رياه بكم طاب سكناه وربكم لولاكم ما نوده ولا القلب من شوق إليه أذبناه أسكان وادي المنحنى زاد وجدنا بمغنى حماكم ذاك مغنى شغفناه نحنّ إلى تلك الربوع تشوقاً ففيها لنا عهد وعقد عقدناه ورب برانا ما سلونا ربوعكم وما كان من ربع سواه سلوناه فيا هل إلى ربع الأعاريب عودة فذاك وحق الله ربع حببناه قضينا مع الأحباب فيه مآربا إلى الحشر لا تنسى سقى الله مرعاه فشدّوا مطايانا إلى الربع ثانياً فإن الهوى عن ربعهم ما ثنيناه

ذكر البيت والطواف
ففي ربعهم لله بيت مبارك إليه قلوب الخلق تهوي وتهواه يطوف به الجاني فيغفر ذنبه ويسقط عنه جرمه وخطاياه فكم لذة كم فرحة لطوافه فلله ما أحلى الطواف وأهناه نطوف كأنا في الجنان نطوفها ولا هم لا غم فذاك نفيناه فياشوقنا نحو الطواف وطيبه فذلك شوق لا يحاط بمعناه فمن لم يذقه لم يذق قط لذة فذقه تذق يا صاح ما قد أذقناه فوالله ما ننسى الحمى فقلوبنا هناك تركناها فيا كيف ننساه ترى رجعة هل عودة لطوافنا وذاك الحمى قبل المنية نغشاه ووالله ما ننسى زمان مسيرنا إليه وكل الركب قد لذ مسراه وقد نسيت أولادنا ونساؤنا وأموالنا فالقلب عنهم شغلناه تراءت لنا أعلام وصل على اللوى فمن أجلها فالقلب عنهم لويناه جعلنا إله العرش نصب عيوننا ومَنْ دونه خلف الظهور نبذناه وسرنا نشق البيد للبلد الذي بجهد وشق للنفوس بلغناه رجالاً وركبانا على كل ضامر ومن كل ذي فج عميق أتيناه نخوض إليه البر والبحر والدجى ولا قاطع إلا وعنه قطعناه ونطوي الفلا من شدة الشوق للقا فتمسي الفلا تحكي سجلاً قطعناه ولا صدنا عن قصدنا بعد أهلنا ولا هجر جار أو حبيب ألفناه وأموالنا مبذولة ونفوسنا ولم نبق شيئاً منهما ما بذلناه عرفنا الذي نبغي ونطلب فضله فهان علينا كل شيء بذلناه فمن عرف المطلوب هانت شدائد عليه ويهوى كل ما فيه يلقاه فيا لو ترانا كنت تنظر عصبة حيارى سكارى نحو مكة وُلاه فلله كم ليل قطعناه بالسرى وبر بسير اليعملات بريناه وكم من طريق مفزع في مسيرنا سلكنا وواد بالمخوفات جزناه ولو قيل إن النار دون مزاركم دفعنا إليها والعذول دفعناه فمولى الموالي للزيارة قد دعا أنقعد عنها والمزور هو الله ترادفت الأشواق واضطرم الحشا فمن ذا له صبر وفي النار أحشاه وأسرى بنا الحادي فأمعن في السرى وولى الكرى نوم الجفون نفينا


الإحرام من الميقات
ولما بدا ميقات إحرام حجنا نزلنا به والعيس فيه أنخناه ليغتسل الحجاج فيه ويحرموا فمنه نلبي ربنا لا حرمناه ونادى مناد للحجيج ليحرموا فلم يبق إلا من أجاب ولباه وجردت القمصان والكل أحرموا ولا لبس لا طيب جميعاً هجرناه ولا لهو لا صيد ولا نقرب النسا ولا رفث لا فسق كُلاً رفضناه وصرنا كأموات لففنا جسومنا بأكفاننا كل ذليل لمولاه لعل يرى ذل العباد وكسرهم فيرحمهم رب يرجّون رحماه ينادونه: لبيك لبيك ذا العلا وسعديك كل الشرك عنك نفيناه فلو كنت يا هذا تشاهد حالهم لأبكاك ذاك الحال في حال مرآه وجوههم غبر وشعث رءوسهم فلا رأس إلا للإله كشفناه لبسنا دروعاً من خضوع لربنا وما كان من درع المعاصي خلعناه وذاك قليل في كثير ذنوبنا فيا طالما رب العباد عصيناه إلى زمزم زُمَّت ركاب مطينا ونحو الصفا عيس الوفود صففناه نؤم مقاماً للخليل معظماً إليه استبقنا والركاب حثثناه ونحن نلبي في صعود ومهبط كذا حالنا في كل مرقى رقيناه وكم نشزٍ عالٍ علته وفودنا وتعلو به الأصوات حين علوناه نحج لبيت حجه الرسل قبلنا لنشهد نفعاً في الكتاب وعدناه دعانا إليه الله قبل بنائه فقلنا له لبيك داع أجبناه أتيناك لبيناك جئناك ربنا إليك هربنا والأنام تركناه ووجهك نبغي أنت للقلب قبلة إذا ما حججنا أنت للحج رمناه فما البيت ما الأركان ما الحجر ما الصفا وما زمزم أنت الذي قد قصدناه وأنت منانا أنت غاية سؤلنا وأنت الذي دنيا وأخرى أردناه إليك شددنا الرحل نخترق الفلا فكم سدَّ سَدٌّ في سواد خرقناه كذلك ما زلنا نحاول سيرنا نهارا وليلاً عيسنا ما أرحناه إلى أن بدت إحدى المعالم من منى وهبّ نسيم بالوصول نشقناه ونادى بنا حادي البشارة والهنا فهذا الحمى هذا ثراه غشيناه


رؤية البيت
وما زال وفد الله يقصد مكة إلى أن بدا البيت العتيق وركناه فضجت ضيوف الله بالذكر والدعا وكبرت الحجاج حين رأيناه وقد كادت الأرواح تزهق فرحة لما نحن من عظم السرور وجدناه تصافحنا الأملاك من كان راكبا وتعتنق الماشي إذا ثم تلقاه


طواف القدوم
فطفنا به سبعاً رملنا ثلاثة وأربعة مشينا كما قد أمرناه كذلك طاف الهاشمي محمد طواف قدوم مثلما طاف طفناه وسالت دموع من غمام جفوننا على ما مضى من إثم ذنب كسبناه ونحن ضيوف الله جئنا لبيته نريد القرى نبغي من الله حسناه فنادى بنا أهلاً ضيوفي تباشروا وقروا عيونا فالحجيج قبلناه غداً تنظروني في جنان خلودكم وذاك قراكم معْ نعيم ذخرناه فأي قرى يعلو قرانا لضيفنا وأي ثواب مثل ما قد أثبناه وكل مسيء قد أقلنا عثاره ولا وزر إلا عنكم قد وضعناه ولا نصب إلا وعندي جزاؤه وكل الذي أنفقتموه حسبناه سأعطيكم أضعاف أضعاف مثله فطيبوا نفوساً فضلنا قد منحناه فيا مرحباً بالقادمين لبيتنا إليّ حججتم لا لبيت بنيناه علي الجزا مني المثوبة والرضا ثوابكم يوم الجزاء ضمناه فطيبوا سروراً وافرحوا وتباشروا وتيهوا وهيموا بابنا قد فتحناه ولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم وما كان من عيب عليكم سترناه فهذا الذي نلنا بيوم قدومنا وأول ضيق للصدور شرحناه


المبيت بمنى والسير إلى عرفات
وبتنا بأقطار المحصب من منى فيا طيب ليل بالمحصب بتناه وفي يومنا سرنا إلى الجبل الذي من البعد جئناه لما قد وجدناه فلا حج إلا أن نكون بأرضه وقوفاً وهذا في الصحيح رويناه إليه ابتدرنا قاصدين إلهنا فلولاه ما كنا لحج سلكناه وسرنا إليه قاصدين وقوفنا عليه ومن كل الجهات أتيناه على علميه للوقوف جلالة فلا زالتا تحمى وتحرس أرجاه وبينهما جزنا إليه بزحمة فيا طيبها ليت الزحام رجعناه ولما رأيناه تعالى عجيجنا نلبي وبالتهليل منا ملأناه وفيه نزلنا بكرة بذنوبنا وما كان من ثقل المعاصي حملناه


الوقوف بعرفة
وبعد زوال الشمس كان وقوفنا إلى الليل نبكي والدعاء أطلناه فكم حامد كم ذاكر ومسبح وكم مذنب يشكو لمولاه بلواه فكم خاضع كم خاشع متذلل وكم سائل مدت إلى الله كفاه وساوى عزيز في الوقوف ذليلنا وكم ثوب عز في الوقوف لبسناه ورب دعانا ناظر لخضوعنا خبير عليم بالذي قد أردناه ولما رأى تلك الدموع التي جرت وطول خشوع معْ خضوع خضعناه تجلى علينا بالمتاب وبالرضا وباهى بنا الأملاك حين وقفناه وقال انظروا شعثاً وغبراً جسومهم أجرنا أغثنا يا إلهاً دعوناه وقد هجروا أموالهم وديارهم وأولادهم والكل يرفع شكواه إلي فإني ربهم ومليكهم لمن يشتكي المملوك إلا لمولاه ألا فاشهدوا أني غفرت ذنوبهم ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه فقد بدلت تلك المساوي محاسنا وذلك وعد من لدنا وعدناه فيا صاحبي من مثلنا في مقامنا ومن ذا الذي قد نال ما نحن نلناه على عرفات قد وقفنا بموقف به الذنب مغفور وفيه محوناه وقد أقبل الباري علينا بفضله وقال ابشروا فالعفو فيكم نشرناه وعنكم ضمنا كل تابعة جرت عليكم وأما حقنا فوهبناه أقلناكم من كل ما قد جنيتم وما كان من عذر لدينا عذرناه فيا من أسا يا من عصى لو رأيتنا وأوزارنا ترمى ويرحمنا الله وددت بأن لو كنت بين رحالنا وترجو رحيماً كلنا يترجاه وقفنا لديه سائلين من الخطا وغفراننا من ربنا قد طلبناه أمرنا بحسن الظن والله حثنا عليه وهذا في الحديث رويناه عليه اتكلنا واطمأنت قلوبنا لما عنده من وسع عفوعرفناه فطوبى لمن ذاك المقام مقامه وبشراه في يوم التغابن بشراه ترى موقفاً فيه الخزائن فتحت ووالى علينا الله منها عطاياه فصالح مهجوراً وقرب مبعداً وذاك مقام الصلح للصلح قمناه ودار علينا الكأس بالفضل والرضا سقينا شراباً مثله ما سقيناه فإن شئت تسقى ما سقينا على الحمى فقلل وما واقصد مقاماً قصدناه وفيه نصبنا للرحيل صفوفنا فقال كفيتم عفونا قد بسطناه وأعتقنا كلاً وأهدر ما مضى وقال لنا كل العتاب طويناه


ذكر خزي إبليس اللعين
فإبليس مغموم لكثرة ما يرى من العتق محقوراً ذليلاً دحرناه على رأسه يحثو التراب مناديا بأعوانه : ويلاه ذا اليوم ويلاه وأظهر منا حسرة وندامة وكل بناء قد بناه هدمناه تركناه يبكي بعدما كان ضاحكاً فكم مذنب من كفه قد سللناه وكم أمل نلناه يوم وقوفنا وكم من أسير للمعاصي فككناه وكم قد رفعنا للإله مطالبا ولا أحداً ممن نحب نسيناه وخصّصت الآباء والأهل بالدعا وكم صاحب دانٍ وناء ذكرناه كذا فعل الحجاج هاتيك عادة وما فعل الحجاج فيه فعلناه وظل إلى وقت الغروب وقوفنا وقيل ادفعوا فالكل منكم قبلناه


الإفاضة والمبيت بمزدلفة وذكر الله عند المشعر الحرام
أفيضوا وأنتم حامدون إلهكم إلى مشعر جاء الكتاب بذكراه وسيروا إليه واذكروا الله عنده فسرنا وفي وقت العشاء نزلناه وفيه جمعنا مغرباً وعشاءها ترى عائداً جمعاً لجمع جمعناه وبتنا به حتى لقطنا جمارنا ورباً شكرناه على ما هداناه ومنه أفضنا حيثما الناس قبلنا أفاضوا وغفران الإله طلبناه ونحو منى ملنا بها كان عيدنا ونلنا بها ما القلب كان تمناه فمن منكم بالله عيّد عيدنا فعيد منى رب البرية أعلاه وفيه رمينا للعقاب جمارنا ولا جرم إلا مع جمار رميناه وبالجمرة القصوى بدأنا وعندها حلقنا وقصرنا لشعر حضرناه ولما حلقنا حل لبس مخيطنا فيا خلقة منها المخيط لبسناه وفيها نحرنا الهدي طوعاً لربنا وإبليس لما أن نحرنا نحرناه ومن بعدها يومان للرمي عاجلاً ففيها رمينا والإله دعوناه وإياه أرضينا برمي جمارنا وشيطاننا المرجوم ثَم رجمناه وبالخيف أعطانا الإله أماننا وأذهب عنا كل ما نحن نخشاه


النفر من منى وطواف الإفاضة
وردت إلى البيت الحرام وفودنا نحنُّ له كالطير حنّ لمأواه وطفنا طوافا للإفاضة حوله وفزنا به بعد الجمار وزرناه ومن بعد ما زرنا دخلناه دخلة كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه ونلنا أمان الله عند دخوله كذا أخبر القرآن فيما قرأناه فيا منزلاً قد كان أبرك منزل نزلناه في الدنيا وبيتاً حججناه ترى حجةً أخرى إليه ودخلةً وهذا على رب الورى نتمناه فإخواننا ما كان أحلى دخولنا إليه ولبثا في ذراه لبثناه نطوف به والله يحصي طوافنا ليسقط عنا ما نسينا وأخطاه


ذكر استلام الحجر الأسود والركن اليماني
وبالحجر الميمون عدنا فإنه برب السما والأرض للخلق يمناه نقبله من حبنا لإلهنا وكم لثمه طي الطواف لثمناه وذاك لنا يوم القيامة شاهد وفيه لنا لله عهد عهدناه ونستلم الركن اليماني طاعة ونستغفر المولى إذا ما لمسناه وملتزم فيه التزمنا لربنا عهوداً وعهد الله فيه لزمناه وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا دعونا به والقصد فيه نويناه وصلى بأركان المقام حجيجنا وفي زمزم ماءً طهوراً وردناه وفيه الشفا فيه بلوغ مرادنا لما نحن ننويه إذا ما شربناه


ذكر السعي بين الصفا والمروة والتحلل من الإحرام
وبين الصفا والمروة الوفد قد سعى فإن تمام الحج تكميل مسعاه فسبعاً سعاها سيد الرسل قبلنا ونحن تبعناه فسبعاً سعيناه نهرول في أثنائها كل مرة فهذاك من فعل الرسول فعلناه وبعد تمام الحج والنسك كلها حللنا وباقي عيسنا قد أنخناه فمن شاء وافى الصيد والطيب والنسا فقد تم حج للإله حججناه ولما اعتمرنا كان أبركَ عمرنا زمان نراه باعتمار عمرناه ولما قضينا للإله مناسكاً ذكرناه والمطلوب منه سألناه فمن طالب حظاً بدنيا فما له خلاق بأخراه إذا الله لاقاه ومن طالب حسنا بدنيا لدينه وحسنا بأخراه وذاك يوفاه وآخر لا يبغي من الله حاجة سوى نظرة في وجهه يوم عقباه


طواف الوداع
وبات حجيج الله بالبيت محدقاً ورحمة رب العرش إذ ذاك تغشاه تداعى رفاق للرحيل فما ترى سوى دمع عين بالدعاء مددناه لفرقة بيت الله والحجر الذي لأجلهما صعب الأمور سلكناه وودعت الحجاج بيت إلهها وكلهم تجري من الحزن عيناه فللَّه كم باك وصاحب حسرة يود بأن الله كان توفاه فلو تشهد التوديع يوماً لبيته فإن فراق البيت مراً وجدناه فما فرقة الأولاد والله إنه أمرّ وأدهى ذاك شيء خبرناه فمن لم يجرب ليس يعرف قدره فجرب تجد تصديق ما قد ذكرناه لقد صدعت أكبادنا وقلوبنا لما نحن من مُرّ الفراق شربناه ووالله لولا أن نؤمل عودة إليه لذقنا الموت حين فجعناه


ذكر الرحيل إلى طيبة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم
ومن بعد ما طفنا طواف وداعنا رحلنا لمغنى المصطفى ومصلاه ووالله لو أن الأسنة أشرعت وقامت حروب دونه ما تركناه ولو أننا نسعى على الروس دونه ومن دونه جفن العيون فرشناه وتملك منا بالوصول رقبانا ويسلب منا كل شيء ملكناه لكان يسيراً في محبة أحمد وبالروح لو يشرى الوصال شريناه ورب الورى لولا محمد لم نكن لطيبة نسعى والركاب شددناه ولولاه ما اشتقنا العقيق ولا قبا ولولاه لم نهوى المدينة لولاه هو القصد إن غنت بنجد حداتنا وإلا فما نجد وسلع أردناه وما مكة والخيف قل لي ولا منى وما عرفات قبل شرع أراناه به شرفت تلك الأماكن كلها وربك قد خص الحبيب وأعطاه لمسجده سرنا وشدت رحالنا وبين يديه شوقنا قد كتبناه قطعنا إليه كل بر ومهمه ولا شاغل إلا وعنا قطعناه كذا عزمات السائرين لطيبة رعى الله عزماً للحبيب عزمناه وكم جبل جزنا ورمل وحاجز ولله كم واد وشعب عبرناه تروحنا الأشواق نحو محمد فنسري ولا ندري بما قد سريناه ولما بدا جذع العقيق رأيتنا نشاوى سكارى فارحين برؤياه شممنا نسيماً جاء من نحو طيبة فأهلاً وسهلاً يا نسيما شممناه فقد ملئت منّا القلوب مسرة وأي سرور مثل ما قد سررناه فوا عجباه كيف قرّت عيوننا وقد أيقنت أن الحبيب أتيناه ولقياه منا بَعدَ بُعدٍ تقاربت فو الله لا لقيا تعادل لقياه وصلنا إليه واتصلنا بقربه فلله ما أحلى وصولاً وصلناه وقفنا وسلمنا عليه وإنه ليسمعنا من غير شك فديناه ورد علينا بالسلام سلامنا وقد زادنا فوق الذي قد بدأناه كذا كان خلق المصطفى وصفاته بذلك في الكتب الصحاح عرفناه وثَم دعونا للأحبة كلهم فكم من حبيب بالدعا قد خصصناه وملنا لتسليم الإمامين عنده فإنهما حقاً هناك ضجيعاه وكم قد مشينا في مكان به مشى وكم مدخل للهاشمي دخلناه وآثاره فيها العيون تمتعت وقمنا وصلينا بحيث مصلاه وكم قد نشرنا شوقتنا لحبيبنا وكم من غليل في القلوب شفيناه ومسجده فيه سجدنا لربنا فلله ما أعلى سجوداً سجدناه بروضة قمنا فهاتيك جنة فيا فوز من فيها يصلي وبشراه ومنبره الميمون منه بقية وقفنا عليها والفؤاد كررناه كذلك مثل الجذع حنت قلوبنا إليه كما ود الحبيب وددناه وزرنا قبا حبا لأحمد إذ مشى عسى قدماً يخطو مقاما تخطاه ليبعث يوم البعث تحت لوائه إذا الله من تلك الأماكن ناداه وزرنا مزارات البقيع فليتنا هناك دفنا والممات رزقناه وحمزة زرناه ومن كان حوله شهيداً وأحداً بالعيون شهدناه ولما بلغنا من زيارة أحمد منانا حمدنا ربنا وشكرناه ومن بعد هذا صاح بالبين صائح وقال ارحلوا يا ليتنا ما أطعناه سمعنا له صوتاً بتشتيت شملنا فيا ما أمر الصوت حين سمعناه وقمنا نؤم المصطفى لوداعه ولا دمع إلا للوداع صببناه ولا صبر كيف الصبر عند فراقه ؟ وهيهات إن الصبر عنه صرفناه أيصبر ذو عقل لفرقة أحمد فلا والذي من قاب قوسين أدناه فواحسرتاه من وداع محمد وأواه من يوم التفرق أواه سأبكي عليه قدر جهدي بناظر من الشوق لا ترقى من الدمع غرباه فيا وقت توديعي له ما أمره ووقت اللقا والله ما كان أحلاه عسى الله يدنيني لأحمد ثانياً فيا حبذا قرب الحبيب ومدناه فيا رب فارزقني لمغناه عودة تضاعف لنا فيها الثواب وترضاه رحلنا وخلفنا لديه قلوبنا فكم جسد من غير قلب قلبناه ولما تركنا ربعه من ورائنا فلا ناظر إلا إليه رددناه لنغنم منه نظرة بعد نظرة فلما أغبناه السرور أغبناه فلا عيش يهنى مع فراق محمد أأفقد محبوبي وعيشي أهناه دعوني أمت شوقاً إليه وحرقة وخطوا على قبري بأني أهو


الحث على الحج بالمال الحلال
فيا صاحبي هذي التي بي قد جرت وهذا الذي في حجنا قد عملناه فإن كنت مشتاقاً فبادر إلى الحمى لتنظر آثار الحبيب وممشاه وتحظى بيت الله من قبل منعه كأنا به عما قليل منعناه أليس ترى الأشراط كيف تتابعت فبادره واغنمه كما قد غنمناه إلى عرفات عاجل العمر واستبق فثم إله الخلق يسبغ نعماه وعيّد مع الحجاج يا صاح في منى فعيد منى أعلاه عيداً وأسناه وضح بها واحلق وسر متوجهاً إلى البيت واصنع مثل ما قد صنعناه وكن صابراً إنا لقينا مشقة فإن تلقها فاصبر كصبر صبرناه لقد بعدت تلك المعالم والربا فكم من رواح مع غدو غدوناه فبادر إليها لا تكن متوانيا لعلك تحظى بالذي قد حظيناه وحج بمال من حلال عرفته وإياك والمال الحرام وإياه فمن كان بالمال المحرم حجه فمن حجه والله ما كان أغناه إذا هو لبى الله كان جوابه من الله لا لبيك حج رددناه كذلك جانا في الحديث مسطرا ففي الحج أجر وافر قد سمعناه


الحث على زيارة المسجد النبوي
ومن بعد حج سر لمسجد أحمد ولا تخطه تندم إذا ما تخطاه فوا أسف الساري إذا ذكر الحمى إذا ربع خير المرسلين تخطاه ووالهف الآتي بحج وعمرة إذا لم يكمل بالزيارة ممشاه يعزى على ما فاته من مزاره فقد فاته أجر كثير بأخراه نظرناه حقاً حين بانت ركابنا على طيبة حقاً وصدقاً نظرناه وزادت بنا الأشواق عند دنونا إليها فما أحلى دنواً دنيناه ولما بدت أعلامها وطلولها تحدرت الركبان عما ركبناه وسرنا مشاة رفعة لمحمد حثنا الخطا حتى المصلى دخلناه لنغنم تضعيف الثواب بمسجد صلاة الفتى فيه بألف يوفاه كذلك فاغنم في زيارة طيبة كما قد فعلنا واغتنم ما غنمناه فإذ ما رأيت القبر قبر محمد فلا تدن منه ذاك أولى لعلياه وقف بوقار عنده وسكينة ومثِّل رسول الله حيا بمثواه وسلم عليه والوزيرين عند وزره كم زرنا لنحصد عقباه وبلغه عنا لا عُدمت سلامنا فأنت رسول للرسول بعثناه ومن كان منا مبلغا لسلامنا فإنا بإدلاء السلام سبقناه فيا نعمة لله لسنا بشكرها نقوم ولو ماء البحور مددناه فنحمد رب العرش إذا كان حجنا بزورة من كان الختام ختمناه عليك سلام الله ما دامت السما سلام كما يبغى الإله ويرضاه


فضائل يوم عرفة
أما الشق الثاني فيتعلق بيوم عرفة والوقوف بعرفة: لا شك أن يوم عرفة يوم عظم الله سبحانه وتعالى أمره، ورفع على الأيام قدره، فقد أقسم الله سبحانه وتعالى به، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، فقال عز وجل: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:3] قال ابن عباس : (الوتر يوم عرفة، والشفع يوم الذبح) وقيل: إنه هو اليوم المشهود الذي أتى ذكره في سورة البروج، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة قال: ولا طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شيء إلا أعاذه الله منه). ومن فضائله: أنه هو اليوم الذي أنزل الله فيه سبحانه وتعالى فيه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] ، وعن طارق بن شهاب قال: (قالت اليهود لـعمر رضي الله عنه: إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذناه عيداً فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت، يوم عرفة، وإنا والله بعرفة يوم جمعة) وهذا حديث متفق عليه. إذاً: يوم عرفة هو يوم عيد لأهل الموقف، وإنما يكمل الحج بالوقوف بعرفة؛ لأن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) قال ابن حجر رحمه الله تعالى: استدل بهذا الحديث -أي: حديث عمر - على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام؛ لأن الله تعالى إنما يختار لرسوله صلى الله عليه وسلم الأفضل، فاختار له أن يكون عرفة يوم الجمعة، فاجتمع عيد عرفة وعيد الجمعة. فالأعمال تشرف بشرف الأزمنة كالأمكنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع؛ ولأن في يوم الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء، ولاسيما على قول من قال: إنها بعد العصر، وهو الأرجح والله تعالى أعلم. أما ما روي من حديث: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو من أفضل من سبعين حجة من غيرها) فهو حديث لا أعرف حاله هذا كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. أيضاً يوم عرفة فيه أخذ الميثاق قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172]، فأخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم بتوحيده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أخذ من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى)، وهذا الحديث صحيح. ومن فضائل هذا اليوم أن الله سبحانه وتعالى يباهي بأهله الملائكة، كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، يقول لهم: انظروا إلى عبادي هؤلاء! جاءوني شعثاً غبراً) ، فهذا يقتضي الغفران وعموم التكفير؛ لأنه لا يباهي بالملائكة وهم مطهرون إلا بمطهر، فلا يكون الحجاج مطهرين إلا إذا غفر الله سبحانه وتعالى لهم ذنوبهم مغفرة عامة وشاملة، وينتج من ذلك أن الحج يكفر حق المولى وحق الخلق حتى الكبائر والتبعات، وهذا أشار إليه في قوله: (وعنكم ضمنا كل تابعة جرت)، وهو حق الخلق، فيغفره الله سبحانه وتعالى ويتحمله ويضمنه عن الحجاج. وفيه أفضلية عرفة على يوم النحر، وهو ما عليه الأكثر، وإنما سمي الموقف عرفة لأنه عرف لإبراهيم عليه السلام فلما أبصره عرفه، أو لأن جبريل كان يدور في المشاعر، فلما رآه إبراهيم قال: قد عرفت، أو لأن الناس يتعارفون فيه. عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً أو أمة من الناس من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ماذا أراد هؤلاء؟). وعن بلال بن رباح (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة جمع: يا بلال أسكت أو أنصت الناس، ثم قال: إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له). الذي يخصنا نحن أكثر في هذا المقام هو بيان أن الله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده جعل المتخلف لعذر شريكاً للسائل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك: (إن في المدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، خلفهم العذر)، وقال الشاعر في ذلك: يا سائرين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا ومن أقام على عذر كمن راحا وربما سبق بعض من سار بقلبه وعزمه بعض السائرين بأبدانهم فليس الشأن فيمن سار ببدنه، إنما الشأن فيمن قعد بدنه لعذر وسار بقلبه حتى سبق الركب.


أعمال صالحة تقوم مقام الحج والعمرة

 ذكر الله سبحانه وتعالى
وهناك أعمال قد تقوم مقام الحج والعمرة لمن عجز عنهما، فمنها ذكر الله سبحانه وتعالى دبر كل صلاة، فقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أحدثكم بما لو أخذتم به لحقتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين). وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (قلنا: يا رسول الله! ذهب الأغنياء بالأجر يحجون ولا نحج، ويجاهدون ولا نجاهد وبكذا وبكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على شيء إن أخذتم به جئتم بأفضل ما يجيء به أحد منهم: تكبروا الله أربعاً وثلاثين، وتسبحوه ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوه ثلاثاً وثلاثين في دبر كل صلاة) وهذا رواه الإمام أحمد و النسائي . إذاً: هذا مما يعوض من عجز عن الذهاب إلى البيت بعذر، فيستطيع أن يصل إلى رب البيت بالتقرب بهذا العمل، وهو ذكر الله سبحانه وتعالى دبر الصلوات المكتوبة.


 صلاة العشاء والغداة في جماعة
من ذلك أيضاً صلاة العشاء والغداة في جماعة، والغداة هي صلاة الفجر، عن أبي ذر رضي الله عنه: (أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور -يعني: الأغنياء- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوليس قد جعل الله لكم صلاة العشاء في جماعة تعدل حجة، وصلاة الغداة في جماعة تعدل عمرة؟!) وهذا رواه مسلم . قال أبو هريرة رضي الله عنه تعالى عنه لرجل: (بكورك إلى المسجد أحب إلي من غزوتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم). ولا شك أن أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالحج والعمرة وغيرهما، فما تقرب العباد إلى ربهم بمثل أداء ما افترضه الله عليهم، وكثير من النفوس يعسر عليها التنزه عن كسب الحرام والشبهات، ويسهل عليها إنفاق ذلك في الحج والصدقات، قال بعض السلف: ترك فعل الشيء مما يكرهه الله أحب إلي من خمسمائة حجة، يعني: هناك ما هو أولى من مجرد فعل الفرائض، وهو التعفف عن كسب الحرام، والتنزه عن المال الحرام، فهذا من أعظم ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. قال الفضيل بن عياض مبيناً باباً آخر من أبواب العبادة التي قد تفضل على حج التطوع: ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حفظ اللسان، ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في همٍّ شديد، وليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح، وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها عن الآثام.


 صلاة الفجر في جماعة ثم المكوث حتى تطلع الشمس لصلاة ركعتين
مما يعوض الحج والعمرة صلاة الفجر في جماعة، والذكر حتى طلوع الشمس، وصلاة الركعتين بعدها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة)، وهذا رواه الترمذي وصححه الألباني .


 حضور الجماعات والمشي إلى صلاة التطوع
من ذلك أيضاً حضور الجماعات والمشي إلى صلاة التطوع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة فهي كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فهي كعمرة نافلة)، وهذا حديث حسن. المقصود بالمشي إلى صلاة التطوع: أن يمشي إلى المسجد يصلي صلاة الضحى مثلاً كما في رواية أبي داود ، قال المناوي : من مشى إلى أداء صلاة مكتوبة فليسرع. والخصلة كحجة يعني: كثواب حجة، ومن مشى إلى صلاة التطوع فهي كثواب عمرة، لكن لا يلزم التساوي في المقدار.


 الصلاة في مسجد قباء
كذلك الصلاة في مسجد قباء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه، كان له عدل عمرة)، وهذا صحيح رواه أحمد في مسنده و النسائي و الحاكم وصححه الألباني . وقال صلى الله عليه وسلم: (الصلاة في مسجد قباء كعمرة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أتى مسجد بني عمرو بن عوف -وهو مسجد قباء- لا ينزعه إلا الصلاة كان له أجر عمرة).
وعن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: سمعت أبي رضي الله عنه يقول: (لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل)، وهذا بدون سفر أو شد الرحال، فالإنسان يأتي المدينة لزيارة المسجد النبوي ثم من السنة أن يزور مسجد قباء. وهذا المسجد هو الذي نزل فيه وفي دياره قول الله سبحانه وتعالى: فيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108]، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد رضي طهوركم يا أهل قباء).


 شهود صلاة العيدين
كذلك مما يعوض فوات الحج والعمرة شهود العيدين: الفطر والأضحى، قال ابن رجب : قال مخنس بن سليم وهو معدود من الصحابة: (الخروج يوم الفطر يعدل عمرة، والخروج يوم الأضحى يعدل حجة). قال ابن رجب رحمه الله تعالى: رأى بعض الصالحين الحاج في وقت خروجه، فوقف يبكي ويقول: واضعفاه! وينشد: فقلت دعوني واتباعي ركابكم أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد ثم تنفس وقال: هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت؟! يقول الحافظ ابن رجب : إخواني! إن حبستم العام عن الحج، فارجعوا إلى جهاد النفوس، أو أحصرتم عن أداء النسك، فأريقوا على تخلفكم من الدموع ما تيسر، فإن إراقة الدماء لازمة للمحصر، ولا تحلقوا رءوس أديانكم بالذنوب، فإن الذنوب حالقة للدين وليست حالقة للشعر، وقوموا لله باستشعار الرجاء والخوف مقام القيام بأرجاء الخيف والمشعر، ومن كان قد بعد عن حرم الله فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله، فإن رحمة الله قريب ممن تاب إليه واستغفر، ومن عجز عن حج البيت أو البيت منه بعيد فليقصد رب البيت، فإنه ممن دعاه ورجاه أقرب من حبل الوريد. من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبيت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، ومن لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى، ومن لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد، إن لم نصل إلى ديارهم فلنصل انكسارنا بانكسارهم، إن لم نقدر على عرفات فلنستدرك ما قد فات، إن لم نصل إلى الحجر فلين كل قلب حجر، إن لم نقدر على ليلة جمع ومنى فلنقم بمأتم الأسف ههنا.

أين المريد المجد السابق؟! هذا يوم يرحم فيه الصادق، من لم يُنِب في هذا اليوم فمتى ينيب؟! ومن لم يجب في هذا الوقت فمتى يجيب؟! ومن لم يتعرف بالتوبة فهو غريب، أسفاً لعبد لم يغفر له اليوم ما جنى، كلما هم بخير نفض الثوب وما بنى، حضر مواسم الأفراح فما حصل خيراً ولا اقتنى، ودخل بساتين الفلاح فما مد كفاً ولا جنى، ليت شعري من منا خاف ومن منا نال المنى! فيا إخواني! إن فاتنا نزول منى فلننزل دموع الحسرات هاهنا، وكيف لا نبكي ولا ندري ماذا يراد بنا؟! وكيف بالسكون وما نعلم ما عنده لنا؟! فلذا الموقف أعددنا البكاء ولذا اليوم الدموع تقتنى، أخي! لئن سار القوم وقعدنا، وقربوا وبعدنا، فما يؤمننا أن نكون ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين. لله در ركائب سارت بهم تطوي القطار الشافعات على الدجى رحلوا إلى البيت الحرام وقد شدا قلب المتيم منهم ما قد شدا نزلوا بباب لا يخيب نذيره وقلوبهم بين المخافة والرجا يحق لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق، ولمن شاهد السائرين إلى ديار الأحبة وهو قاعد أن يحزن: عرض بذكري عندهم لعلهم إن سمعوك سألوك عني قل ذلك المحبوس عن قصدكم معذب القلب لكل فنى إخواني! نفحت في أيام الحج نفحة من نفحات الأنس من رياض القدس على كل قلب أجاب إلى ما دعا. يا همم العارفين لغير الله لا تقنعي، يا عزائم الناسكين لدمع أنساك السالكين اجمعي، لحب مولاك اخرجي وبين خوفه ورجائه اقرني، وبذكره تمتعي، يا أسرار المحبين بكعبة الحب طوفي واركعي، وبين صفاء الصفا ومروى المروة اسعي وأسرعي، وفي عرفات الغرفات قفي وتضرعي، ثم إلى مزدلفة الزلفى فادفعي، ثم إلى منى نيل المنى فارجعي، فإذا قربت القرابين فقربي الأرواح ولا تمنعي، فإنه قد وضح الطريق، ولكن قل السالك على التحقيق وكثر المدعي!


فضل تلقي الحجاج ومصافحتهم
أخيراً: ننوه إلى أن تلقي الحجاج مسنون، أي: يستحب أن يتلقى الإنسان الحاج ويسلم عليه، ويطلب الاستغفار منه والدعاء له، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل المدينة)، كانوا يقابلونه بالصبيان وصغار أهل المدينة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (أقبلنا من مكة في حج أو عمرة فتلقانا غلمان من الأنصار كانوا يتلقون أهليهم إذا قدموا)، وقد كان السلف يدعون لمن رجع من حجه، فهذا خالد الحذاء لما رجع، قال له أبو قلابة : بر العمل.
يعني: جعله الله مبروراً. وعن ابن أبي ثابت قال: (خرجت مع أبي نتلقى الحجاج ونسلم عليهم قبل أن يتدنسوا) يعني: قبل أن يعودوا فيخالطوا الحياة من جديد، وقد رجعوا أنقياء أطهاراً من الذنوب، فهذا هو السبب، ولعلك تحرص على دعائه لك؛ لأنه لم يخض في الفتن والدنيا.

وعن الحسن قال: إذا خرج الحجاج فشيعوهم وزودوهم الدعاء، وإذا قفلوا فالقوهم وصافحوهم قبل أن يخالطوا الذنوب، فإن البركة في أيديهم. وفي مسند البزار وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لو يعلم المقيمون ما للحاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم؛ لأنهم وفد الله في جميع الناس).

ما للمنقطع حيلة سوى التعلق بأذيال الواصلين: هل الدهر يوماً بوصل يجود وأيامنا باللوا هل تعود زمان تقضى وعيش مضى بنفسي والله تلك العهود ألا كل زوار دار الحبيب هنيئاً لكم في الجنان الخلود أفيضوا علينا من الماء فيضاً فنحن عطاش وأنتم ورود أحب شيء إلى المحب سؤال من قدم من ديار الحبيب، فيقول: عرضاني ركب الحجاز أسائله متى عهده بأيام سلع واستمليا حديث من سكن الخيـ ـف ولا تكتباه إلا بدمع فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أرى الديار بسمعي من يعد أيام جمع على ما كان منها وأين أيام جمعي فهذا الشاعر يعبر عن مشاعره فيقول: عرضاني ركب الحجاز أسائله لأنه حرم من الحج والسؤال في الموسم فيريد أن يُجْعَلَ في عرض الطريق حين يعود الحجاج من طريق الحجاز. عرضاني ركب الحجاز أسائله متى عهده بأيام سلع أي: أريد أن أسمع منهم الذكريات التي عاشوها هناك في أيام سلع وفي منى وفي هذه المواقع. (واستمليا حديث من سكن الخيف) يعني: من سكن مسجد الخيف في منى، وأقام هناك فيها، (ولا تكتباه إلا بدمعى) أي: عليهم أن يملوا علي حديث من سكن الخيف ولا يكتبوه إلا بأدمعي. فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أن أرى الديار بسمعي من يعد لي أيام جمع على ما كان منها وأين أيام جمعي لقاء الأحباب لقاح الألباب، وأخبار تلك الديار أحلى عند المحبين من الأسمار: إذا قدم الركب يممته أحيي الوجوه صدوراً وورداً وأسألهم عن عقيق الحمى وعن أرض نجدٍ ومن حل نجداً حدثوني عن العقيق حديثاً أنتم بالعقيق أقرب عهداً ألا هل سمعتم ضجيج الحجيج على ساحة الخيف والعيس تحدى فذكر المشاعر والمروتين وذكر الصفا يطرد الهم طرداً والعقيق: هو الوادي المعروف الذي وصفه النبي عليه السلام بأنه واد مبارك.
أرواح القبول تفوح من المقبولين، وأنوار الوصول تلوح على الواصلين: تفوح أرواح نجد من ثيابهم عند القدوم لقرب العهد بالدار أهفو إلى الركب تعلو لي ركائبهم من الحمى في أفيحات وأطمار يا راكبان قفا لي واقضيا وطري وحدثاني عن نجد بأخبار ولا يؤهل بالإكثار من التردد إلى تلك الآثار إلا محب مختار، يقول علي بن الموفق : حججت ستين حجة، فلما كان بعد ذلك جلست في الحجر أفكر في حالي وكثرة ترددي إلى ذلك المكان، ولا أدري هل قبل مني حجي أم رد، ثم نمت فرأيت في منامي قائلاً يقول لي: هل تدعو إلى بيتك إلا من تحب؟ قال: فاستيقظت وقد سري عني، أي: أنت لا تستضيف في بيتك إلا شخصاً تحبه. كان بعض السلف يقول في دعائه: اللهم إن لم تقبلني فهبني لمن شئت من خلقك. وقال آخر: اللهم ارحمني فإن رحمتك قريب من المحسنين، فإن لم أكن محسناً فقد قلت: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]؛ فإن لم أكن كذلك فأنا شيء، وقد قلت: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156] ، فإن لم أكن شيئاً فأنا مصاب برد عملي وتعبي ونصبي فلا تحرمني ما وعدت المصاب من الرحمة. قال هلال بن يسار : بلغني أن المسلم إذا دعا الله فلم يستجب له كتب له حسنة. من كان في سخطه محسناً فكيف يكون إذا ما رضي وقدوم الحاج يذكر بالقدوم على الله سبحانه وتعالى، قدم مسافر فيما مضى على أهله فسروا به، وهناك امرأة من الصالحات فبكت وقالت: ذكرني هذا بقدومه القدوم على الله عز وجل. قال بعض الملوك لـأبي حازم : كيف القدوم على الله تعالى؟ قال: أما قدوم الطائع على الله فكقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه، وأما قدوم العاصي فكقدوم العبد الآبق على سيده الغضبان: لعلك غضبان وقلبي غافل سلام على الدارين إن كنت راضياً فاللهم اجعلنا ممن تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73]. ونكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ansarsonna.com
 
محاضرة مفرغة بعنوان فضل يوم عرفة للشيخ / محمد إسماعيل المقدم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى جماعة أنصار السنة ببورسعيد :: المنتدى العام لجماعة أنصار السنة بورسعيد :: مكتبة تفريغ الخطب والمحاضرات والدروس العلمية-
انتقل الى: