منتدى إسلامي على مذهب أهل السنة والجماعة
 
الرئيسيةصفحه1التسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
Flag Counter
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
»  كتاب . * غاية المريد في علم التجويد * المؤلف / عطية قابل نصر .
الأحد مايو 07, 2017 10:16 pm من طرف إبراهيم باشا

» ** كن متفائلًا **
السبت مايو 06, 2017 9:06 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ما تعريف التوحيد ؟ وما أنواعه ؟ * لفضيلة الشيخ / ابن عثيمين .
الثلاثاء مايو 02, 2017 9:47 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ماذا تفعل المرأة إذا طهرت بعد الفجر مباشرة ، هل تمسك وتصوم هذا اليوم ؟ * لفضيلة الشيخ / ابن عثيمين .
الأحد أبريل 23, 2017 10:28 pm من طرف إبراهيم باشا

» نحو خطوات فاعلة للداعية المسلمة .
السبت أبريل 22, 2017 9:58 pm من طرف إبراهيم باشا

» التربية بالمكافئة .
الثلاثاء أبريل 18, 2017 10:10 pm من طرف إبراهيم باشا

» * ما حكم خلوة الرجل بزوجة أخيه ؟ * لفضيلة الشيخ العلامة / مصطفى العدوي .
السبت أبريل 15, 2017 9:52 pm من طرف إبراهيم باشا

» * نصيحة لمن يتكلمون في أهل العلم * لفضيلة الشيخ العلامة / مصطفى العدوي .
السبت أبريل 15, 2017 9:24 pm من طرف إبراهيم باشا

» خطبة مفرغة بعنوان : ** الشائعات ، وآثارها السيئة على الفرد والمجتمع **
السبت أبريل 08, 2017 10:05 pm من طرف إبراهيم باشا


شاطر | 
 

 شرح أحاديث رياض الصالحين . * باب المجاهدة * ( جزء 1 ) . شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين .

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
إبراهيم باشا
Admin
avatar

عدد المساهمات : 703
تاريخ التسجيل : 23/02/2013
الموقع : http://www.ansarsonna.com

مُساهمةموضوع: شرح أحاديث رياض الصالحين . * باب المجاهدة * ( جزء 1 ) . شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين .   الأربعاء أبريل 05, 2017 12:12 am





شرح أحاديث رياض الصالحين .
* باب المجاهدة * ( جزء 1 ) .

شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين .


تصحيح لُغَوي و تنسيق مقالٍ أ/ إبراهيم باشا .


قال الله تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } ،

وقال تعالى: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ،

وقال تعالى: { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلًا } أي: انقطع إليه .

وقال تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره } ،

وقال تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا } ،

وقال تعالى: { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } ،

والآيات في الباب كثيرة معلومة .



الشرح :
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( باب المجاهدة ) ، المجاهدة تعني مجاهدةة الإنسان نفسه ومجاهدته غيره ،

فأما مجاهدة الإنسان نفسه فإنها من أشق الأشياء ،

ولا يتم مجاهدة الغير إلا بمجاهدة النفس أولًا ،

ومجاهدة النفس تكون بأن يجاهد الإنسان نفسه على شيئين:

* على فعل الطاعات .

* وعلى ترك المعاصي ؛

لأن فعل الطاعات ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه ، وترك المعاصي كذلك ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه ،

فتحتاج النفس إلى مجاهدة ، لا سيما مع قله الرغبة في الخير فإن الإنسان يعاني من نفسه معاناة شديدة ليحملها على فعل الخير .

ومن أهم ما يكون من هذا:

مجاهدة النفس على الإخلاص لله عز وجل في العبادة ؛

فإن الإخلاص أمره عظيم وشاق جدًّا ، حتى إن بعض السلف يقول ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص ،

ولهذا كان جزاء المخلصين أن من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه حرمه الله على النار .

لكن متى يكون هذا الأمر ؟

إن هذا الأمر شديد جدًّا ؛ فالمجاهدة على الإخلاص لله من أشق ما يكون على النفوس ؛ لأن الإنسان يحب أن يكون مرموقًا عند الناس ، ويحب أن يكون محترمًا بين الناس ، ويحب أن يقال: إن هذا رجل عابد هذا رجل فيه كذا وكذا من خصال الخير ،

فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب ويحمله على مراءاة الناس ،

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( من راءى راءى الله به ومن سمع سمع الله به )) ، يعني أظهر أمره للناس حتى ينكشف والعياذ بالله ،



كذلك أيضًا مما يجاهد الإنسان نفسه عليه فعل الطاعات الشاقة مثل الصوم ؛

فإن الصوم من أشق الطاعات على النفوس ؛ لأن فيه ترك المألوف من طعام وشراب ونكاح ، فتجده يكون شاقًّا على الناس إلا من يسره الله عليه وخفف عنه ،

تجد بعض الناس مثلًا إذا دخل رمضان كأنما وضع على ظهره جبل والعياذ بالله ، لأنه يستثقل الصوم ويرى أنه شاق ،

حتى إن بعضهم يجعل حظ يومه النوم وحظ ليله السهر في أمر لا خير له ، كل ذلك من أجل مشقة هذه العبادة عليه .

كذلك أيضًا من الأشياء التي تحتاج إلى مجاهدة ، مجاهدة الإنسان نفسه على الصلاة مع الجماعة ؛ فكثير من الناس يسهل عليه أن يصلي في بيتههه لكن يشق عليه أن يصلي مع الجماعة في المساجد ، فتجده مع نفسه فييي جهاد يقول: أصبر أؤدي هذا الشغل أو أفعل كذا أو أفعل كذا حتى يسوف فتفوته صلاة الجماعة ،

وثقل صلاة الجماعة على الإنسان يدل على أن في قلب الإنسان نفاقًا ، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ))

وهذا يحتاج إلى المجاهدة .



أما مجاهدة النفس على ترك المحرم فما أكثر المحرمات التي يشق على بعض الناس تركها !

فتجد البعض يعتاد على فعل المحرم ويشق عليه تركه ،

ولنضرب لهذا مثلين المثل الأول:
الدخان ،

فإن كثيرًا من الناس ابتلى بشرب الدخان ، وأول ما خرج الدخان اختلف العلماء فيه فمنهم من قال أنه حلال ، ومنهم من قال إنه حرام ، ومنهم من قال إنه مكروه ، ومنهم من ألحقه بالخمر حتى أوجب
الحد على شاربه .

ولكن بعد أن مضت الأيام تبين تبينا لا شك فيه أنه حرام لأن الأطباء أجمعوا على أنه مضر بالصحة ، وأنه سبب لأمراض مستعصية تؤدي بالإنسان إلى الموت .

ولهذا نجد بعض المدخنين يموت وهو يكلمك ، أو يموت وهو على الفراش ، وإذا حمل أدنى شيء انقطع قلبه ومات ،

وهذا يدل على أنه ضار ، والشيء الضار محرم على الإنسان ؛ لأن الله يقول: (( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا ))

ويشق علىبعض المبتلين بهذا الدخان أن يدعه مع أنه لو عود نفسه على تركه شيئًا فشيئًا وابتعد عن الذين يشربونه وصار يكره رائحته لهان عليه الأمر ،

لكن المسألة تحتاج إلى عزيمة قوية وإيمان صادق .



المثل الثاني: مما يشق على كثير من الناس وقد ابتلى به الكثير:

حلق اللحي ،

فإن حلق اللحية حرام ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال خالفوا المجوس ، خالفوا المشركين ، وفروا اللحى واحفوا الشوارب ،

وكثير من الناس قد غلبته نفسه فصار يحلق لحيته ولا أدري أي شيء يجنى من حلق اللحية ؟

لا يجني إلا معاصي تتراكم عليه حتى تضعف إيمانه والعياذ بالله؛  لأن من مذهب أهل السنة والجماعة أن المعاصي تنقص الإيمان فيكتسب حالق
اللحية معاصي تنقص إيمانه مع أنه لا يزيد نشاطه ولا صحته ولا تندفع عنهه بذلك الأمراض ولكنه ابتلى
بهذا الشيء وصار شاقًّا عليه ،



فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه على فعل الأوامر وعلى ترك النواهي حتى
يكون من المجاهدين في الله عز وجل ،

وقد قال الله تعالى في جزائهم: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين }



أما مجاهدة الغير ، فإنها تنقسم إلى قسمين: قسم بالعلم والبيان ، وقسم بالسلاح .

أما من مجاهدته بالعلم والبيان:

فهو الذي يتسمى بالإسلام ، وليس من المسلمين مثل المنافقين وأهل البدع المكفرة ، وما أشبه ذلك فإن هؤلاء لا يمكن أن نجاهدهم بالسلاح لأنهم يتظاهرون بالإسلام وأنهم معنا ، ولكننا نجاهدهم بالعلم والبيان ،

قال الله تعالى: { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم
ومأواهم جهنم وبئس المصير } ،

فجهاد الكفار يكون بالسلاح وجهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان ،

ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم بأن في أصحابه منافقين ويعلمهم بأعيانهم ولكنه لا يقتلهم ، واستؤذن في قتلهم فقال: " لأن لا يتحدث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه "

فكذلك الذين ينطوون تحت لواء الإسلام من أهل البدع لا نقاتلهم بالسلاح لكننا نقاتلهم بالعلم والبيان ،

ولهذا كان واجبًا على شباب الأمة الإسلامية أن يتعلموا العلم على وجه راسخ ثابت لا على وجه سطحي كما يوجد في كثير من
بيوت العلم ، حيث يتعلمون علمًا سطحيًّا لا يرسخ بالذهن ، علمًا يقصد بهه الإنسان أن يحصل على بطاقة أو شهادة فقط ،

ولكن العلم الحقيقي هو العلم الذي يرسخ في القلب ويكون كالملكة للإنسان ،

حتى إن الإنسان الذي يوفق لهذا النوع من العلم تجده لا يكاد تأتيه مسألة من المسائل إلا عرف كيف يخرجها على الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الصحيح ، فلابد من علم راسخ .

والناس اليوم في عصرنا محتاجون إلى هذا النوع من العلم ؛ لأن البدع بدأ يفشوا ظلامها في بلدنا هذا بعد أن كانت نزيهة منها ،

لكن نظرًا لانفتاحنا على الناس وانفتاح الناس علينا وذهاب بعضنا إلى بلاد أخرى ومجيء آخرين إلى بلادنا ليسوا على عقيدة سليمة بدأت البدع تظهر ويفشوا ظلامها ،

وهذه البدع تحتاج إلى نور من العلم يضيء الطريق حتى لا يصيب بلادنا ما أصاب غيرها من البدع المنكرة العظيمة التي قد تصل إلى الكفر والعياذ
بالله ،

فلابد من مجاهدة أهل البدع وأهل النفاق بالعلم والبيان ، وبيان بطلان ما هم عليه بالأدلة المقنعة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وأئمة الهدى من بعدهم .



أما النوع الثاني من جهاد الغير: فهو الجهاد بالسلاح ،

وهذا في جهاد الأعداء الذين يظهرون العدواة للإسلام ويصرحون بذلك ، مثل اليهود والنصارى الذين يسمون بالمسيحين
والمسيح منهم بريء عليه الصلاة والسلام ،

المسيح لو أنه خرج لقائلهم وهم ينتسبون إليه يقول الله عز وجل: { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ،

فماذا كان جواب عيسى ؟ { قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي
وربكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيبب عليهم وأنت على كل شيء شهيد } ،

فعيسى ابن مريم قال لهم ما أمرهم الله به: " اعبدوا الله ربي وربكم "

ولكنهم كانوا يعبدون عيسى ويعبدون مريم ويعبدون الله ، ويقولون: إن الله ثالث ثلاثة .

إذن كيف يصح أن ينتسب هؤلاء إلى عيسى وهو يتبرأ منهم أمام الله عز وجل ؟

فاليهود والنصارى والمشركون من البوذيين وغيرهم والشيوعيون كل
هؤلاء أعداء للمسلمين يجب على المسلمين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمةة الله هي العليا ،

ولكن مع الأسف المسلمون اليوم في ضعف شديد وفي هوان وذل يقاتل بعضهم بعضًا أكثر مما يقاتلون أعداءهم ،

هم فيما بينهم يتقاتلون أكثر مما يتقاتلون مع أعدائهم ، ولهذا سلط الأعداء علينا وصرنا كالكرة في أيديهم يتقازفونها حيث يشاؤون ،

لهذا يجب على المسلمين أن ينتبهوا لهذا الأمر ، وأن يعدوا العدة ، ولأن الله تعالى قال: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ورباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } ،

وقال عز وجل: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ،

{ يعطوا الجزية } أي يبذلون الجزية لنا { عن يد } فيها قولان للعلماء { عن يد } يعني: عن قوة منا عليها أو { عن يد } يعني: عن واحدة من أيديهم بحيث يمدها هو بنفسه اليهودي أو النصراني ،

ولهذا قال العلماء لو أرسل بها خادمه لم نأخذهم حتى يأتي بنفسه ويسلمها للمسئول من المسلمين ،

وتصوروا كيف يزيد الله منا ؟ وكيف يكون الإسلام في هذه العزة تضرب عليهم الجزية ويأتون
بها هم بأنفسهم ، ولو كان أكبر واحد منهم يأتي بها حتى يسلمها إلى المسئول في الدولة الإسلامية عن يد وهو صاغر أيضًا لا يأتي بأبَّهة وبجنود وبقوم وبحشم بل يأتي وهو صاغر ،

ثم إذا قال قائل: كيف تكون تعاليم الإسلام هكذا ؟ أليست هذه عصبية ؟ قلنا: عصبية لمن ؟ هل المسلمون يريدون عصبية لهم يستطيلون بها على الناس ؟
أبدًا فالمسلمون أحسن الناس أخلاقًا لكنهم يريدون أن تكون كلمة الخالقق الذي خلقهم وخلق هؤلاء هي العليا ، ولا يمكن أن تكون هي العليا حتى يكون المسلمون هم الأعلون ،

ولكن متى يكون المسلمون هم الأعلون ؟

يكونون كذلك إذا تمسكوا بدين الله حقًّا ظاهرًا وباطنًا ، وعرفوا أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ،

أما أن يذلوا عن دين الله ثم يذلوا أمام أعداء الله ثم يصيروا أذنابًا لأعداء الله فأين العزة إذن ؟

لا يمكن أن تكون بهذا عزة أبدًا ،

الإسلام دين حق دين علو قال الله عز وجل: { فلا تهنوا وتدعوا إلى
السلم وأنتم الأعلون والله معكم }

أي شيء تريدون بعد ؟

أنتم الأعلون والله معكم تدعون إلى السلم ؟

كيف تهنون ؟

ولكن نظرًا لتعثرنا في ديننا تأخرنا وكنا على العكس من ذلك ،

كان الناس في عهد السلف الصالح يمشي المسلم وهو يريد أنه هو المستحق لأرض الله ؛ لأن الله قال في كتابه: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } ، فهو يرى أنه صاحب الأرض ،

أما الآن فبالعكس مع الأسف الشديد ،

ولهذا نحن نحث أبناءنا وشبابنا على أن يفقهوا الدين حقيقة ، ويتمسكوا به حقيقة ، وأن يحذروا أعداء الله عز وجل ، وأن يعلموا أنه لا يمكن لعدو الله وعدوهم أن يسعى في مصلحتهم إطلاقًا بل لا يسعى إلا لمصلحة نفسه وتدمير المسلمين ومن ورائهم الإسلام ،

فنسأل الله تعالى أن يعزنا بدينه ، وأن يعز دينه بنا ، وأن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره ، وأن يهيئ للأمة الإسلامية قادة خير يقودونها لما فيه صلاحها وسعادتها في دينها ودنياها .



وأما الأحاديث:

٩٥ - فالأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: (( من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه )) رواه البخاري .

آدنته أعلمته بأني محارب له استعاذني روى بالنون وبالياء .

الشرح:

نقل المؤلف رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى: (( من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب ))

المعاداة : هي المباعدة ، وهي ضد الموالاة ، والولي بَيَّنه الله عز وجل في
قوله: (( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانواا يتقون ))

هؤلاء هم أولياء الله ، { الذين آمنوا } أي: حققوا الإيمان في قلوبهم بكل ما يجب الإيمان به ، { وكانوا يتقون } أي حققوا العمل الصالح بجوارحهم فاتقوا جميع المحارم من ترك الواجبات أو فعل المحرمات فهم جمعوا بين صلاح الباطن بالإيمان وصلاح الظاهر بالتقوى ، هؤلاء هم أولياء الله ،



وليست ولاية الله سبحانه وتعالى تأتي بالدعوى كما يفعله بعض الدجالين الذين يموهون على العامة بأنهم أولياء لله وهم أعداء والعياذ بالله ، فتجد في
بعض البلاد الإسلامية أناسًا يموهون للعامة يقولون: نحن أولياء ، ثم يفعلل من العبادات الظاهرة ما يموه به على العامة وهو من أعداء الله ، لكنه يتخذ من هذه الدعوة وسيله إلى جمع المال وإلى إكرام الناس له وإلى
تقربهم إليه وما أشبه ذلك ،

وعندنا ولله الحمد ضابط بَيَّنه الله عز وجل وتعريف جيد للأولياء { وكانوا
يتقون } ، هؤلاء هم أولياء الله ،

فالذي يعادي أولياء الله يقول الله عز وجل: فقد آذنته بالحرب ، يعني أعلنت
عليه الحرب ،

فالذي يعادي أولياء الله محارب لله عز وجل ، نسأل الله العافية ، ومن حارب الله فهو مهزوم مخذول لا تقوم له قائمة .



ثم قال سبحانه وتعالى: (( ومن تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه )) ، يعني أن الله يقول: ما تقرب إليَّ الإنسان بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه يعني أن الفرائض أحب إلى الله من النوافل ، فالصلوات الخمس مثلًا أحب إلى الله من قيام الليل وأحب إلى الله من النوافل ، وصيام رمضان أحب إلى الله من صيام الاثنين والخميس والأيام الست من شوال .. وما أشبهها ،

كل الفرائض أحب إلى الله من النوافل ، ووجه ذلك أن الفرائض أوكدها الله عز وجل فألزم بها العباد ، وهذا دليل على شدة محبته لها عز وجل ، فلما كان يحبها شديدًا ألزم بها العباد ، أما النوافل فالإنسان حر إن شاء تنفل وزاد خيرًا وإن شاء لم يتنفل ، لكن الفرائض أحب إلى الله وأوكد ،

والغريب أن الشيطان يأتي الناس فتجدهم في النوافل يحسنونها تمامًا ، تجده مثلًا في صلاة الليل يخشع ولا يتحرك ولا يذهب قلبه يمينًا ولا شمالًا لكن إذا جاءت الفرائض فالحركة كثيرة والوساوس كثيرة والهواجس بعيدة ، وهذا من تزيين الشيطان ،

فإذا كنت تزين النافلة فالفريضة أحق بالتزين ، فأحسن الفريضة لأنها أحب إلى الله عز وجل من النوافل ،



((وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )) ، النوافل تقرب إلى الله ، وهي تكمِّل الفرائض ، فإذا أكثر الإنسان من النوافل مع قيامه بالفرائض نال محبة الله فيحبه الله ، وإذا أحبه فكما يقول الله عز وجل: (( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها )) ، يعني أنه يكون مسددًا له في هذه الأعضاء الأربعة في السمع: يسدده في سمعه فلا يسمع إلا ما يرضي الله وما فيه الخير والصلاة ويعرض عما يغضب الله فلا يستمع إليه ويكون ممن إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم .

كذلك أيضًا بصره: فلا ينظر إلا ما يحب الله النظر إليه ولا ينظر إلى المحرم ولا ينظر نظرًا محرمًا .

ويده : فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله ؛ لأن الله يسدده .

وكذلك رجله : فلا يمشي إلا إلى ما يرضي الله فلا يسعى إلا ما فيه الخير .

وهذا معنى قوله: (( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها )) ، أي أنه تعالى يسدد عبده هذا في سمعه وبصره وبطشه ومشيه ،

فإذا كان الله سبحانه وتعالى مسددًا له في هذه الأشياء كان موفقًا مغتنمًا لأوقاته منتهزًا لفرصه ،

وليس المعنى أن الله يكون نفس السمع ونفس البصر ونفس اليد ونفس الرجل ، حاش لله فهذا محال فإن هذه أعضاء وأبعاد لشخص مخلوق لا يمكن أن تكون هي الخالق ، ولأن الله تعالى أثبت في هذا الحديث في قوله: (( ولئن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه )) ، فأثبت سائلًا ومسئولًا وعائذًا ومعوذًا به ، وهذا غير هذا .

وفي قوله سبحانه وتعالى في هذا الحديث القدسي: ولئن سألني أعطيته دليل على أن هذا الوالي الذي تقرب إلى الله تعالى بالفرائض ثم بالنوافل إذا سأل الله أعطاه فكان مجاب الدعوة ، وهذا الإطلاق يقيد بالأحاديث الأخرى الدالة على أنه يعطي السائل سؤاله ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم ، فإن سأل إثمًا فإنه لا يجاب ، لكن الغالب أن الولي لا يسأل الإثم ، لأن الولي هو المؤمن التقي والمؤمن التقي لا يسأل إثمًا ولا قطيعة
رحم .

(( ولئن استعاذني لأعيذنه )) ، يعني لئن اعتصم بي ولجأ إليَّ من شر كل ذي شر لأعيذنه فيحصل له بإعطائه مسؤوله وإعاذته مما يتعوذ منه المطلوب ويزول عنه المرغوب .



وفي هذا الحديث عدة فوائد:

إثبات الولاية لله عز وجل :

وولاية الله تعالى تنقسم على قسمين:

* ولاية عامة:

وهي السلطة على جميع العباد والتصرف فيهم بما أراد كل إنسان فإن الذي يتولى أموره وتدبيره وتصريفه هو الله عز وجل ، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله
مولاهم الحق } ، فهذه ولاية عامة تشمل جميع الخلق .

أما الولاية الخاصة: مثل قوله تعالى: { والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } .

والولاية العامة تكون بغير سبب من الإنسان يتولى الله الإنسان شاء أم أبى وبغير سبب منه .

أما الولاية الخاصة فإنها تكون بسبب من الإنسان فهو الذي يتعرض لولاية الله حتى يكون الله وليًّا له { الذين آمنوا وكانوا يتقون } .



ومن فوائد هذا الحديث:

فضيلة أولياء الله وأن الله سبحانه وتعالى يعادي من عاداهم بل
يكون حربًا عليهم عز وجل .

ومن فوائد هذا الحديث:

أن الأعمال الواجبة من صلاة وصدقة وصوم وحج وجهاد وعلم وغير ذلك أفضل من الأعمال المستحبة ؛ لأن الله تعالى قال: (( ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضه عليه )) .



ومن فوائده:

إثبات المحنة لله عز وجل وأن الله تعالى يحب الأعمال بعضها أكثر من
بعض كما أنه يحب الأشخاص بعضهم أكثر من بعض ، فالله عز وجل يحبب العاملين بطاعته ويحب الطاعة ، وتتفاوت محبته سبحانه وتعالى على حسب ما تقتضيه حكمته .



ومن فوائد هذا الحديث أيضًا :

أن الإنسان إذا تقرب إلى الله بالنوافل مع القيام بالواجبات فإنه يكون بذلك معافًا في جميع أموره ، لقوله تعالى في هذا الحديث القدسي: (( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )) .. إلخ .



وفيه دليل أيضًا على أن

من أراد أن يحبه الله فالأمر سهل عليه إذا أسهله الله عليه ، يقوم بالواجبات ويكثر من التطوع بالعبادات ، فبذلك ينال محبة الله وينال ولاية الله .



ومن فوائد هذا الحديث:

إثبات عطاء الله عز وجل وإجابة دعوته لوليه لقوله: ( إن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه ) .

وأتى به المؤلف في ( باب المجاهدة ) لأن النفس تحتاج إلى جهاد في القيام بالواجبات ثم بفعل المستحبات ، نسأل الله أن يعيننا على
ذكره وشكره وحسن عبادته .

* * *

٩٧ - الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ )) رواه البخاري .

الشرح:

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ، يعني أن هذين الجنسين من النعم مغبون فيهما
كثير من الناس ، أي مغلوب فيهما وهما الصحة والفراغ ؛ وذلك أن الإنسانن إذا كان صحيحًا كان قادرًا على ما أمره الله به أن يفعله وكان قادرًا على ما نهاه الله عنه أن يتركه لأنه صحيح البدن منشرح الصدر مطمئن القلب .

كذلك الفراغ إذا كان عنده ما يؤويه وما يكفيه من مؤنة فهو متفرغ فإذا كان
الإنسان فارغًا صحيحًا فإنه يغبن كثيرًا في هذا ؛

لأن كثيرًا من أوقاتنا تضيع بلا فائدة ونحن في صحة وعافية وفراغ ومع ذلك تضيع علينا كثيرًا ، ولكننا لا نعرف هذا الغبن في الدنيا إنما يعرف الإنسان الغبن إذا حضره أجله وإذا كان يوم القيامة ، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت )) ، وقال عز وجل في سورة المنافقون: { من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين } ، قال الله عز وجل: { ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون } .



الواقع أن هذه الأوقات الكثيرة تذهب علينا
سدى لا ننتفع منها ولا تنفع أحدًا من عباد الله ولا نندم على هذا إلا إذا حضرر الأجل ، يتمنى الإنسان أن يعطى فرصة ولو دقيقة واحدة لأجل أن يستعتب ولكن لا يحصل ذلك ،

ثم إن الإنسان قد لا تفوته هذه النعمة بل قد لا تفوته هاتان النعمتان: الصحة والفراغ بالموت بل قد تفوته قبل أن يموت قد يمرض ويعجز عن القيام بما أوجب الله عليه ، قد يمرض ويكون ضيق الصدر لا ينشرح صدره ويتعب وقد
ينشغل بإيجاد النفقة له ولعياله حتى تفوته كثير من الطاعات ،

ولهذا ينبغي للإنسان العاقل أن ينتهز فرصة الصحة والفراغ بطاعة الله عز وجل بقدر ما يستطيع إن كان قارئًا للقرآن فليكثر قراءة القرآن ، وإن
كان لا يعرف القراءة يكثر من ذكر الله عز وجل ، وإذا كان لا يمكنه يأمرر بالمعروف وينهى عن المنكر أو يبذل لإخوانه كل ما يستطيع من معونة وإحسان فكل هذه خيرات كثيرة تذهب علينا سدى .

فالإنسان العاقل هو الذي ينتهز الفرص _ فرصة الصحة وفرصة الفراغ _ وفي هذا دليل على أن نعم الله تتفاوت وأن بعضها أكبر من بعض وأكبر نعمة ينعم الله تعالى بها على العبد نعمة الإسلام ،

نعمة الإسلام التي أضل الله عنها كثيرًا من الناس ، قال الله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
الإسلام دينًا } ،  فإذا وجد الإنسان أن الله قد أنعم عليه بالإسلام وشرح اللهه صدره له فإن هذه أكبر النعم .



ثم ثانيًا: نعمة العقل ، فإن الإنسان إذا رأى مبتلي في عقله لا يحسن التصرف وربما يسيء إلى نفسه وإلى أهله حمد الله على هذه النعمة فإنها نعمة عظيمة .



ثالثًا: نعمة الأمن في الأوطان فإنها من أكبر النعم ،

ونضرب لكم مثلًا بما سبق عن آبائنا وأجدادنا من المخاوف العظيمة في هذه البلاد حتى أننا نسمع أنهم كانوا إذا خرج الواحد منهم إلى صلاة الفجر لا يخرج وإلا مصطحبًا سلاحه ؛ لأنه يخشى أن يعتدي عليه أحد .

فنعمة الأمن لا يشابهها نعمة غير الإسلام والعقل .



رابعًا: كذلك مما أنعم الله به علينا _ ولا سيما في هذه
البلاد _ رغد العيش يأتينا من كل مكان ، فنحن في خير عظيم ولله الحمدد البيوت مليئة من الأرزاق والسماطات ، يجعل فيها من الأرزاق للواحد ما يكفي اثنين أو ثلاثة أو أكثر، هذه أيضًا من النعم فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعم العظيمة، وأن نقوم بطاعة الله حتى يمن علينا بزيادة النعم، لأن الله تعالى يقول: { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } .

***

٩٨ - الرابع: عن عائشة رضي الله عنها : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا ؟ متفق عليه .
هذا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة .

الشرح:

ثم ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - ما نقله عن عائشة رضي الله عنها في باب المجاهدة ، وقد سبق لنا أن من جملة المجاهدة مجاهدة الإنسان نفسه، وحمله إياها على عبادة الله والصبر على ذلك .

ذكر المؤلف - رحمه الله - عن عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت: يا رسول الله، لم تصنع ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟
فقال: أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا . )

فعائشة رضي الله عنها من أعلم الناس بحال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يصنعه في السر، أي في بيته، وكذلك نساؤه رضي الله عنهن هن أعلم الناس بما يصنعه في بيته .

ولهذا كان كبار الصحابة يبعثون إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم يسألونهن عما كان يصنع في بيته،
فكان صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل يعني في الصلاة تهجدًا،

وقد قال الله تعالى في سورة المزمل: (( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك )) ، فكان يقوم عليه الصلاة والسلام أحيانًا أكثر الليل، وأحيانًا نصف الليل، وأحيانًا ثلث الليل ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعطي نفسه حقها من الراحة مع القيام التام بعبادة ربه صلوات الله وسلامه عليه،

فكان يقوم أدنى من ثلثي الليل، يعني فوق النصف ودون الثلثين، ونصفه وثلثه، حسب نشاطه عليه الصلاة والسلام، وكان يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر من طول القيام: أي يتحجر الدم فيها وتنشق .

وقد قام معه شباب من الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم تعبوا، فابن مسعود رضي الله عنه يقول: " صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقام طويلًا حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بماذا هممت يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: هممت أن أقعد وأدعه، أي يجلس لعجزه عن أن يصبر كما صبر النبي صلى الله عليه وسلم،

وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه قام معه ذات ليلة فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم البقرة والنساء وآل عمران، الجميع خمسة أجزاء وربع تقريبًا، ويقول حذيفة: كلما أتت رحمة سأل، وكلما أتت آية تسبيح سبح، وكلما أتت آية وعيد تعوذ، وهو معروف عليه الصلاة والسلام أنه يرتل القراءة خمسة أجزاء وربع مع السؤال عند آيات الرحمة، والتعوذ عند آيات الوعيد، والتسبيح عند آيات التسبيح .

فماذا يكون القيام ؟ يكون طويلًا،

وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في الليل، إذا أطال القراءة أطال الركوع والسجود أيضًا، فكان يطيل القراءة والركوع والسجود .

فإذا كان يقوم عليه الصلاة والسلام مثلًا في ليلة الشتاء وهي اثنتي عشرة ساعة، يقوم أدنى من ثلثي الليل ، فلنقل إنه صلى الله عليه وسلم يقوم سبع ساعات تقريبًا وهو يصلي عليه الصلاة والسلام في الليل الطويل، تصور ماذا يكون حاله عليه الصلاة والسلام ؟

ومع هذا فقد صبر نفسه وجاهد نفسه، وقال:
أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا .

وفي هذا: دليل على أن الشكر هو القيام بطاعة الله، وأن الإنسان كلما ازداد في طاعة ربه عز وجل فقد ازداد شكرًا لله عز وجل،

وليس الشكر بأن يقول الإنسان بلسانه أشكر الله، أحمد الله، فهذا شكر باللسان، لكن الكلام هنا على الشكر الفعلي الذي يكون بالفعل بأن يقوم الإنسان بطاعة الله بقدر ما يستطيع .

وفي هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كل ما تقدم من ذنبه قد غفر الله له، وكل ما تأخر قد غفر الله له، وقد خرج من الدنيا صلوات الله وسلامه عليه سالمًا من كل ذنب لأنه مغفور له .

وقد يخص الله أقوامًا فيغفر لهم ذنوبهم بأعمال صالحة قاموا بها مثل أهل بدر .

فأهل بدر كانوا ثلاث مائة وبضع عشر رجلًا، منهم حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر في قصة مشهورة: أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم،

وهذا من خصائص أهل بدر أن الله غفر لهم ما يفعلون من الذنوب .

وإلا فإن حاطبًا رضي الله عنه فعل ذنبًا عظيمًا، وذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يغزو قريشًا حين نقضت العهد الذي بينه وبينهم في صلح الحديبية، أرسل حاطب رضي الله عنه رسالة خطية إلى أهل مكة يخبرهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قادم عليهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عن طريق الوحي، فأرسل علي بن أبي طالب ورجلًا معه في إثر المرأة فأدركوها في روضة خاخ -روضة معروفة في طريق مكة - فلما أدركوها أوقفوها وقالوا لها: أخرجي الكتاب الذي معك لأهل
مكة، قالت: ما معي كتاب .
قالوا: لابد أن تخرجي الكتاب الذي معك، فإما أن تخرجيه وإما أن نفتشكك حتى ما تحت الثياب، فلما عرفت عزيمتهم أخرجت الكتاب من خفها، فإذا فيه خطاب من حاطب رضي الله عنه إلى أهل مكة يخبرهم، فرجعوا به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فاستأذن عمر رضي الله عنه - وكان من أقوى
الناس في دين الله - النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل حاطبًا، قال: إن الرجل نافق، كتب بأسرارنا إلى أعدائنا، قال: أما علمت أن الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وكان منهم رضي الله عنه، وإلا فهذه جريمة كبيرة .

ولهذا يجب على ولي الأمر إذا أدرك جاسوسًا يكتب إلى أعدائنا بأخبارنا أن يقتله ولو كان مسلمًا، لأنه عاث في الأرض فسادًا، فقتل الجاسوس ولو كان مسلمًا على ولي الأمر لعظم فساده،



ولكن هذا منع منه مانع وهو أنه كان من أهل بدر، ولهذا لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: أما علمت أنه مسلم ؟ بل قال: أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر .
ففي هذا: دليل على أن من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،

وهذا قد يقع كما قلت لبعض الصحابة كأهل بدر، قال بعض العلماء: واعلم أن من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،

وبناء عليه فكل حديث يأتي من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإنه حديث ضعيف ؛ لأن هذا من خصائص الرسل، أما غفر له ما تقدم من ذنبه فهذا كثير، لكن ما تأخر هذا ليس إلا للرسول صلى الله عليه وسلم
فقط، وهو من خصائصه،



وهذه قاعدة عامة نافعة لطالب العلم أنه إذا أتاك حديث فيه أن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فاعلم أن قوله ما تأخر ضعيف لا يصح ؛ لأن هذا من خصائص محمد صلوات الله وسلامه عليه .

وفي هذا: دليل أيضًا على فضيلة قيام الليل وطول القيام،

وقد أثنى الله على من يقومون الليل ويطيلون فقال عز وجل: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع }، يعني: تبتعد عن الفرش، { يدعون ربهم خوفًا وطمعًا } ، { خوفًا } أي إذا نظروا إلى ذنوبهم خافوا . { وطمعًا } أي إذا نظروا إلى فضل الله طمعوا في فضله، { ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } ،

أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم .

وتتجافى جنوبهم عن المضاجع ليس بالسهر على التليفزيون، أو على لعب الورق، أو على أعراض الناس، أو ما أشبهه ذلك، ولكنهم يدعون الله، يعبدونه عز وجل خوفًا وطمعًا { ومما رزقناهم ينفقون } ، { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } ، أين هذا الذي أخفى لهم ؟

جاء في الحديث القدسي ما يبين ذلك حيث قال الله عز وجل: (( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر )) ،

جعلني الله وإياكم من ساكني هذه الجنان ، إنه جواد كريم .
***

٩٩ - الخامس: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر ))

متفق عليه .

والمراد: العشر الأواخر من شهر رمضان:

والمئزر: الإزار وهو كناية عن اعتزال النساء، وقيل: المراد تشميره للعبادة .

يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت وتفرغت له .

الشرح:

قال المؤلف - رحمه الله - تعالى فيما نقله عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها في حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان، إنه إذا دخل العشر شد المئزر، وأحيا ليله، وجد في العبادة، وشمر عليه الصلاة والسلام .

وقد سبق في الحديث السابق أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الليل حتى تتفطر قدماه، وأنه يقوم من الليل أكثر من النصف أو النصف أو الثلث، أما في ليالي العشر من رمضان فإنه كان يقوم الليل كله، أي يحيي ليله كله عليه الصلاة والسلام بالعبادة، لكن بالفطور بعد غروب الشمس، والعشاء وصلاة العشاء، والأشياء التي يرى عليه الصلاة والسلام أنها قربى إلى الله عز وجل، وليس معناه أن كل الليل في صلاة، بدليل أن صفية بنت حيي بن أخطب كانت تأتي إليه عليه الصلاة والسلام فيحدثها بعد
صلاة العشاء، ولكن كل ما كان يفعله عليه الصلاة والسلام في تلك الليالي فإنه قربى إلى الله عز وجل، إما صلاة أو تهيُّؤ لصلاة أو غير ذلك .

وفي هذا: دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحيي العشر الأواخر من رمضان كلها، ولكنه لا يحيي ليلة سواها أي أنه لم يقم ليلة حتى الصباح إلا في العشرر الأواخر من رمضان، وذلك تحريًا لليلة القدر، وهي ليلة تكون في العشر الأواخر من رمضان، ولاسيما في السبع الأواخر منه، فهذه الليلة يقدر الله سبحانه وتعالى فيها ما يكون في تلك السنة، وهي كما قال الله تعالى: ((خير من ألف شهر ))، فكان يحييها ، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه .

ثم ذكر المؤلف رحمه الله معنى قوله: (شد المئزر) ، فمنهم من قال: إنه كناية عن ترك النساء لأنه يكون معتكفًا، والمعتكف لا يباح له النساء، كما قال تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفونن في المساجد }، ومنهم من
قال: بل هو كناية عن الجد والتشمير في العمل، وكلا الأمرين صحيح، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان لا يأتي أهله في العشر الأواخر من رمضان لأنه معتكف، وكان أيضًا يشد المئزر ويجتهد ويشمر صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من أنواع المجاهدة، فالإنسان يجب أن يجاهد نفسه في الأوقات الفاضلة حتى يستوعبها في طاعة الله .

* * *







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.ansarsonna.com
 
شرح أحاديث رياض الصالحين . * باب المجاهدة * ( جزء 1 ) . شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين .
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى جماعة أنصار السنة ببورسعيد :: العلوم الشرعية :: منتدى الأحاديث النبوية-
انتقل الى: