310454
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا،ومن سيئات أعمالنا، من يهدِي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا من دينكم بالعروة الوثقى،
فإن من أطلق هذه العروة الوثقى كما قال الله: ? وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ? وفروا بدينكم من الفتن،
واعلموا: أن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم – واعلموا: أن شر الأمور محدثاتها، وأن كل محدثة بدعة، وأن كل بدعة ضلالة.
يا أهل التوحيد، يا إخوتي في الله: لنقف لحظات مع أولئك الشباب الموحدين المهاجرين المجاهدين الصابرين الصادقين العلماء بالله الذين رؤيتهم في الجنة بعد رؤية الله تعالى ثم رؤية أنبيائه ورسله هي والله النعيم، وهي والله السرور الذي لا يعدله سرور، قصة هؤلاء الشباب قصه الله تعالى في كتابه لنعتبر وفسرها لنا الإمام المجدد، ومن تجديده تجديده في التفسير، فلا نرى في الكتب التي وصلتنا تفسيرا يشبه تفسيره، وهو الإمام محمد بن عبد الوهاب؛ لأن يذهب إلى مراد الله من الآية ووجه العمل فيها ثم يوقفك على هذا، وهذا مراد الله من كتابه، - رحمة الله عليه -.
((إنهم فتية أهل الكهف))، يا لها من قصة ويا لها من عبر، نأخذ منها ما نقدر عليه وما تركنا أكثر.
قال الله - عز وجل -: ? أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا? [الكهف/9].
يقول الشيخ الإمام: أي أن هذه القصة مع أنها من أعظم القصص وفيها فوائد جليلة وفيها الإيمان بالله وتحقيق التوحيد وإبطال الشرك والإيمان بالنبوات ونبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم - خاصة، ولذلك جعلها اليهود علامة على نبوته كما هو في سبب نزولها، وفيها الإيمان باليوم الآخر كما قال الله في آخرها: ? وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا ? [الكهف/21].
فيها أنواع الإيمان وفنون العلم ومع ذلك فليست في الدلالة على التوحيد بأعجب مما يرونه في السماوات وفي الأرض وفي كل شيء مما يدل على أن الله هو المستحق العبادة وحده، ولذلك قال: ? أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا(9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ? [الكهف/10].
قال الإمام: هذا هو الصواب، عند الخوف من الفتنة في الدين الفرار إلى أي مكان ولو كان كهفا أو صحراء أو أي مكان فإن لم تجد فلأن تغلق عليك بابك وتقلل من المخالطات، هؤلاء الفتية لله درهم،" إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ" بحثوا عن مكان يؤويهم بدينهم حتى لا يسلب دينهم فما وجدوا إلا هذا الكهف هو الذي آواهم ? إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا ? اتجهوا إلى ربهم بالدعاء لما خالط قلوبهم من التوحيد وبشاشة الإيمان والإيمان الذي خالط بشاشة القلوب، توجهوا إلى الله بالتضرع ? فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ? الرحمة والهداية والنور لا نحصلها بأعمالنا ولا بحيلتنا ولكنها من لدنك ? فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ? [الكهف/10].
قال الشيخ الإمام - رحمه الله -: مع أنه عمل صالح ولكنهم سألوا من الله الرشد، سألوا من الله العاقبة الحميدة لأنه رب عمل صالح في الظاهر لا يثمر الرشد، قد يقصر العبد فيه وقد يرجع على عقبيه وقد يثمر له العجب والكبر وقد وقد، ولذلك كان من دعائه - صلى الله عليه وسلم - وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته إلى رش.
وهؤلاء الفتية الذين أورثهم الإيمان والتوحيد حقيقة العلم، اتجهوا إلى لب العلم مباشرة:"?فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ? [الكهف/10]. قال الله: ?فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ? وهذه من بركات القرآن هذه من بركات القرآن، عجائب القصص الذي يحيي القلوب وينفعها هو في القرآن، ثم قال الله بالحق وهذه إشارة إلى النبوة وأن الحق المحض لا يأتي إلا من طريق الوحي ? إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ، إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ?
قال الشيخ الإمام: وفي هذا دلالة أن الشباب أقبل للحق من الشيوخ عكس ما يظن الأكثر:"إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ" قال الشيخ" سبقوا الناس بالإيمان الذي خالط بشاشة قلوبهم وأنزله الله عليهم لما يعلم أنهم أهل لذلك، ثم قال الله: ? بِرَبِّهِمْ ? وفي هذه الإضافة تحقيق التوحيد أنهم آمنوا بربهم فأورثهم هذا الإيمان وهذا التوحيد: التوحيد العملي، هذا الإيمان تسبب لهم في الجهاد وفي الهجرة وفي الولاء وفي البراء وفي العلم وفي الورع وفي أشياء كثيرة ستأتي في القصة، هذا الإيمان عند الناس أنه عناهم وأفقدهم دنياتهم ولكنه سبب لهم الراحة الكبرى، ? إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)?
قال الشيخ: في هذا فوائد منها أن الحسنة تثمر الحسنة بعدها، ومنها أن من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، أن العلم لا يراد للتكاثر ولا لجمع المعلومات وإنما للعمل، وهؤلاء الشباب لما عملوا بما علموا زادهم الله هدى، وفي هذا أن الهدى إنما يؤتيه الله من أراده وبحث عنه كما قال الله:"وأن الله يهدي من يريد"، من يريد الهدى يهديه الله، قال الله:" إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)، ? وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ? قال الشيخ الإمام" ما أحوج أهل التوحيد وأهل الهجرة إلى الربط على القلوب ولولا ذلك لافتتنوا، ولكن في هذه القصة من الدلالة على أسماء الله وصفاته وأفعاله ولطفه ورأفته الشيء الكثير.
قال الله: ? وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا ? وهذه القومة هي أول الطريق، النهضة، تغيير الواقع، البحث عن حقيقة، العمل هي أول الهداية، إِذْ ? قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? ربنا بمعنى إلهنا، إلهنا هو الذي خلق السماوات والأرض، يا له من دليل ما أوضحه لكل بشر، لكل آدمي أن المستحق للعبادة هو الذي خلق السماوات والأرض ولا يوجد آدمي يعبد أحدا غير الله يقر أن هذا الإله خلق السماوات والأرض، وهذا عين الظلم أن تقر أن الخالق هو الله ثم تعبد غيره، ? إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا ?.
قال الشيخ: وفي هذا المسألة الكبرى العظيمة أن من ذبح لغير الله أو طاف بغير بيت الله أو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله فقد عبد إلهين واتخذ ربين وقد كذب بلا إله إلا الله ولو تلفظ بها، وما أجهل الناس بهذه المسألة، وفي ذلك أيضًا أن هؤلاء الفتية لو وافقوهم على دينهم مع إنهم يبغضون الكفر بقلوبهم وينكرونه ويكرهونه لكانوا قد كذبوا بلا إله إلا الله، وهذه مسألة ما أقل من يفهما، ولذلك قالوا:? لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ? لو وافقناكم ولو بألسنتنا وقلوبنا كارهة ? لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ?، والشطط: الكفر العظيم ? رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)" ? ومن العجب أنه لم يأتهم رسول، ولكنه التوحيد الذي يملئ الآفاق أدلته تملأ الآفاق، ? لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ? ثم لما وقر التوحيد العلمي في قلوبهم أثمر التوحيد العملي فاتجوا إلى أقوامهم فكفروهم لأنهم مشركين وأبغضوهم واعتزلوهم وعادوهم وهكذا يفعل التوحيد بأهله إذا صح في القلوب، ? هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا ? هم قومهم في النسب ولكنهم أبغض الناس إليهم لأن هؤلاء لهم دين وهؤلاء لهم دين،" ? هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ?
قال الشيخ الإمام المجدد: وهذا مفتاح العلم، هذه المسألة هذه الكلمة: لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ" مفتاح العلم، ولكن ما أعز من يفهمها لماذا؟ لأن الناس اليوم يطالبون المشرك ويعذرون المشرك حتى يأتيه الدليل والقرآن بالعكس، القرآن هو الذي يطالب المشرك بالدليل، يقول المشرك: ما الدليل على شركي؟ ولا يقول إنه معذور حتى يأتيه الدليل، وفي هذا مئات الآيات ولكن أين القلوب التي تتجه إلى القرآن: قال الله:"وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ" لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ أين الدليل على هذا الشرك؟ يا سبحان الله! تطالبه بالدليل على التوحيد ولا تطالبه بالدليل على الشرك؟? وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ? [المؤمنون/117]:? إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ? [النجم/23].
لتشرك بي ما ليس لك به علم،"? أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ? ، ? أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ? وهكذا يطلب القرآن المشرك بالدليل بالسلطان، بالبرهان، وإلا فإنه مشرك ظالم، والناس عكسوها قالوا: هو معذور حتى يأتيه الدليل، يعني اهتدى لطريق الشرك مع أنه مخالف لكل شيء ولم يهتدي لطريق التوحيد ويطالب وينتظر حتى يأتيه الدليل، والله لو أشرك وهو في الأدغال لقيل له: ما الدليل على الشرك؟ ما دليلك على الشرك؟: ? لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ? الفتية لم يقولوا لأقوامهم لم يأتيهم أحد وإنما قالوا: ما دليلهم على هذا الشرك؟ هلا ? يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ? صدق والله الشيخ إنها مفتاح العلم لمن فتح الله قلبه، إن المشرك هو المطالب بالدليل، لا أنه معذور حتى يأتيه الدليل، إن المشرك هو المطالب بالدليل في كل القرآن، لا أنه معذور حتى يأتيه الدليل، ومن العجب أن الناس يفهمون هذا في حقوقهم ولكن لما هان عليهم حق الله لم يفهموا ذلك، فلو أن أحدا اعتدى على أرضك ثم أتيته توبخه وقال لك لم يأتيني دليل أنها لك، فستقول مباشرة ما الدليل أنها لك؟ كيف تعدي على شيء ليس معك بينة ولا صك عليه، يفهمون هذا تلقائيا، وأما الاعتداء على حق الله..فلا حتى يأتيه الدليل، هذا مفتاح العلم، قال: ? لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)?، هؤلاء افتروا على الله الكذب، افتروا على الله الكذب بسلوكهم طريق الشرك بدون دليل.
قال الشيخ عند هذا: وفي هذا دليل أن المشرك مشرك ظالم ولو كان لا يدري، هكذا قال بالنص ولو كان جاهلا لا يدري، بل لو قصد رضا الله بهذا العمل فهو مشرك،? فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)? ، وفي هذا دلالة على أن المتشابه من كلامه إنما يريد به أمر الآخرة ولكن الشيخ حاشاه الله - عز وجل - ورفعه الله أن يسمي المشرك مسلما، إن تسمية المشرك الشرك الأكبر مسلما لهي والله فتنة أعظم الفتن، وهي والله أعظم من فتنة خلق القرآن بأضعاف مضاعفة، يسمى المشرك شركا أكبر مسلما؟ ويعامل معاملة المسلم؟ يا له من أمر تشيب له النفوس ويطمس أعلام الإسلام، " ? فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)?.
ولذلك في القرآن يذكر الله الصنفين فيقول الله:" ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ . ? [العنكبوت/68].
الأول كذب على الله ولو لم يأتي أحد والثاني كذب بالصدق إذ جاءه،كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ.
ثم قال الله: ? وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ?، قال الشيخ: وهذه آثار التوحيد الاعتزال، اعتزال المشرك وما يعبد من دون الله،"? وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ? إن كان الاستثناء منفصلاً فالأمر واضح، تركتموهم وما يعبدون وعبدتم الله وحده، وإن كان متصلا فإنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون غيره وهؤلاء الشباب قالوا: أما عبادتهم لله فحق وأما عبادتهم لغيره فباطلة، ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا"، إنه التوحيد، إنها الهجرة.
يا عباد الله: إن العبد ليصبر أن يمكث في بلد يرى فيه وجه قاتل أبيه أو قائل ابنه وهو لا يستطيع أن ينتصف منه، لا يصبر أن يجلس في بلد إن كان سويا وهو يرى من اغتصب حقه وهو لا ينتصف منه، لا يصبر على هذا الذل، فإن كان هذا في حقه فكيف في حق الله؟ كيف يصبر أن يرى وجوه من اعتدوا على حق الله، من أشركوا بالله؟ يخرج عنهم ولو مثل هؤلاء.
قال الشيخ: وانظر إلى صلابتهم في دينهم يوم تركوا الرياسة العظيمة والنعمة العظيمة واستبدلوا ذلك بكهف في رأس جبل، إن أهل التوحيد اليوم أمامهم دول مثل دولهم في الدنيا وقد تكون أحسن وأمامهم خير ليسوا كهؤلاء الشباب تركوا الترف والنعيم إلى كهف في رأس جبل، ولكنه التوحيد ماذا فعل بهم؟ الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب،"? وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16)?
قال الشيخ: انظر في حسن ظنهم بربهم، مع أنهم تركوا الدنيا مبادي فعلهم أنهم ذهبت دنياهم وذهبوا إلى كهف في رأس جبل، ولكن حسن الظن بالله، قالوا: ? يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ? ثم ذكر الله لطفه ورأفته بهم ووده لهم فقال: ? وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)? لو اجتمعت الدنيا على هدايته لن تفلح، إلى قوله: ? وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ? " تأمل في لطف الله ورأفته ووده، هذه هي أسماؤه الحسنى،" ....
? وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ" صحبة هؤلاء المهاجرين نفعت حتى الكلب، ورفع الله ذكره وشود ?وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)? ألقى الله عليهم الهيبة وألقى الله عليهم المحبة وتلطف بهم فهو يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال رحمة بهم ولطفا بهم ثلاث مائة سنة، إنه ربنا اللطيف الرءوف الودود الرحيم تعرفوا عليه فإن التعرف عليه هو والله السرور وهو النعيم، قال الله:" وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ" قال الشيخ: كما أماتهم لحكمة بعثهم لحكمة ? لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ?.
قال الشيخ: من آثار التوحيد الورع في المسائل العلمية والعملية وجمع الله لهم ذلك، فهم في المسائل المشكلة لا يجزمون بشيء ويقولون الله أعلم ويردون الأمر إلى الله، هكذا يفعل التوحيد بأهله، الخوف أن يقول على الله بغير علم، قالوا:رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكم، كفوا عن هذا، وأما الورع في المسائل العملية فإنهم قالوا:" ? فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا ? لم يقولوا ألذ وأشهى بل يبحثون عن الحلال الزكي الطيب: ? فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ ? وفي هذا أن الموحد ينبغي أن يكون حذرا من أهل الشرك وأهل البدع فإنهم يبغون له الغوائل ? وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)? ثم ذكر هؤلاء الفتية الذين أتاهم الله العلم كله
. يا إخواني: العلم ليس بمعلومات، رب رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب وقلبه عالم إذا عرف الاتجاه الصحيح وعرف الطريق الصحيح من بين الطرق والله إنه لعالم، ورب رجل يحفظ المعلومات ومعه أنواع الشهادات وهو جاهل أجهل الجاهلين لأنه لا يعرف الاتجاه الصحيح ولا يعرف الصراط المستقيم ولا يميز بينه وبين غيره، هؤلاء الشباب الفتية الصغار قالوا ? إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ? إما قتل ورجم وإما الإعادة في الملة وليس الدين، ومعنى الملة أن تسكت عليهم كما قال الله: ? وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? [إبراهيم/13] أي عدم الإنكار علينا، وإلا فالرسل لم تكن مشركة قبل البعثة، وهؤلاء الفتية يقولون: ? إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ? ولو رجعتم في ملتهم وسكتم على شركهم ولم تنكروا عليهم ? َلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ? [الكهف/20] لا في الدنيا ولا في الآخرة يذهب عنكم الفلاح، يا لهم من علماء، يا لهم من علماء.
ثم قال الله: ? وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ? [الكهف/21]
قال الشيخ: ليعلم المؤمن إذا أُعثر عليه أن الحكمة ليعلم أن وعد الله حق كما قال الله عن أم موسى: ? فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ? [القصص/13] قال الشيخ: فتأمل هذا العلم ماهو ثم سكت، يستثير فيك التدبر والتأمل لأن الله بين أن الحكمة من الإعثار عليهم ليعلموا ? أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا ? ثم بين الله أن من بعدهم بنوا عليهم مسجدا وما حملهم على ذلك إلا محبة الصالحين، ومع ذلك بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وفي القصة فوائد جمة بالعشرات لا يحتملها هذا المقام، فيا عباد الله تدبروا هؤلاء الشباب كيف وحدوا ثم هاجروا ثم جاهدوا ثم تورعوا ثم علموا وزادهم الله هدى وربط على قلوبهم وأنتم تقرءون قصتهم كل جمعة فتدبروا كتاب الله فإنه الهدى والنور واسألوا الله من فضله فإن الذي قذف في قلوبهم هذا العلم وهذا الإيمان كله موجود وخيره باق لا ينفذ، وأنه إذا كتب التوفيق لعبد فلا تسأل عن مدى هذا التوفيق.
اللهم ارزقنا الإيمان والتوحيد، اللهم اتبعنا بهؤلاء الفتية وأمثالهم في جنات النعيم يا رب العالمين فإن مجالستهم ومصاحبتهم هو والله السرور وهو النعيم المقيم الذي لا توازيه لذة، اللهم زدنا هدى، اللهم زدنا هدى، اللهم اربط على قلوبنا ولولا ربطك لافتتنا وذهبنا يا رب العالمين، اللهم لا تكلنا لأنفسنا طرفة عين، اللهم ارزقنا تحقيق التوحيد العلمي والعملي، اللهم هيأ لنا من أمرنا رشدا وانشر لنا من رحمتك يا حي يا قيوم يا رب العالمين أنت حسبنا ونعم الوكيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين واستغفروا ربكم وادعوه فإنه قريب مجيب.